بحسب العدد الأخير من الجريدة الرسمية (21 حزيران) فإن مرسوماً يحمل الرقم 3269 قد وقّع في 19 حزيران من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة ووزيري الاتصالات والمالية. عنوان المرسوم هذه المرة «تكليف هيئة أوجيرو أعمال تشغيل وصيانة وتحديث وتوسعة المنشآت والتجهيزات وجباية الفواتير لوزارة الاتصالات». التدقيق في المرسوم يبيّن فضائح بالجملة، في الشكل وفي المضمون.

ليس المرسوم رقم 3260 ما هُرّب فقط (راجع «الأخبار»، عدد يوم أمس). يؤكد عدد من الوزراء أنهم لم يسبق أن سمعوا بالثاني أيضاً (3269). المرسوم موقّع بعد نحو شهر على بدء فترة تصريف الأعمال، لكنه يعتمد أسلوباً مشوهاً لقوننته، من خلال الإشارة إلى أن مجلس الوزراء وافق عليه بتاريخ 4/4/2018. هل سمع أحد بهذا القرار؟ وهل يُعقل أن يصدر المرسوم المتعلق بالقرار بعد شهرين ونصف شهر من جلسة إقراره؟ علماً أن مراسيم تتعلق بقرارات لاحقة سبق أن صدرت في الجريدة الرسمية قبل المرسوم الأخير. هل السبب يعود إلى عدم اكتمال المخرج حينها؟ أم أن كشف النقاب عنه في فترة تصريف الأعمال، وفي ظل عدم انتخاب اللجان النيابية، يمكن أن يحرره من المساءلة؟
هذه المرة لم يتغاضَ المرسوم عن قانون الاتصالات رقم 431 كما فعل في مرسوم السماح لشركات القطاع الخاص بالعمل في مجال الـ«فايبر أوبتيك». لكن التطرق إلى قانون الاتصالات جاء في بناءات المرسوم، من بوابة «حيث إن قانون تنظيم قطاع الاتصالات رقم 431/2002 لم يوضع موضع التنفيذ في كل ما يتعلق بإنشاء شركة ليبان تلكوم»! هل يُعقل أن تتعامل السلطة المعنية بتنفيذ القوانين، مع عدم تنفيذ أحدها بوصفه أمراً عادياً؟ يقول الخبير القانوني عصام اسماعيل، إن ذلك أمر معيب، خاصة أنه يدل على أن مجلس الوزراء يعرف أنه يخالف القانون، ومع ذلك يصرّ على المخالفة. هذا ما حصل فعلاً. لا بل حصل أكثر من ذلك، فالمرسوم يتسلح برأي استشاري لمجلس الشورى، مسجل بتاريخ 17 نيسان، أي بعد 13 يوماً من موافقة مجلس الوزراء على القرار. هذا يعني أن القرار اتُّخذ بغضّ النظر عن قرار «الشورى»، وبالتالي لا يمكن التسلح به لتبرير قانونية قرار المجلس. في الأساس رأي «الشورى» غير ملزم، خاصة أنه لا يكون عادة مبنياً على دراسة معمقة للمرسوم وقانونيته، كما يحصل عادة في الغرفة القضائية.
ما حصل قد حصل، لتكون النتيجة مرسوماً رابعاً يتعلق بهيئة أوجيرو وعملها. الأول صدر في عام 1972 بعد أيام من إصدار قانون إنشائها ويتعلق بتحديد صلاحياتها (استثمار وإدارة شركة راديو أوريان). والثاني صدر في عام 1975، بعد حلّ شركة راديو أوريان، حيث كلفت حينها إدارة وتشغيل الحاسب الإلكتروني الموجود لدى المديرية العامة للبرق والهاتف، أو بمعنى آخر سُلِّمَت «الفوترة». والثالث صدر في عام 1994، وفتح الباب على وسعه أمام أوجيرو بعد أن أضاف أعمال الصيانة إلى تكليفها. لكن في عام 2018، أي في المرسوم الرابع المتعلق بالهيئة، يبدو أن الصلاحيات ستكون كفيلة بإقفال أبواب وزارة الاتصالات، وتحويل موظفي الوزارة إلى عاطلين من العمل. وبالرغم من أن مجلس الوزراء أصدر مراراً عدداً من القرارات المتعلقة بأعمال إضافية لأوجيرو، كتوسيع شبكات الهاتف الثابت، وتوسعة قدرة الكوابل البحرية، ومشروع الإنترنت السريع وغيرها، إلا أنه لا يصل إلى تكليف الهيئة صيانة المنشآت وحسب، بل تشغيلها أيضاً، ولا الفوترة حصراً، بل التحصيل أيضاً. وهما مهمتان كانتا حتى تاريخ إصدار المرسوم من صلاحيات وزارة الاتصالات حصراً. فماذا سيبقى للوزارة من دور بعد هذا المرسوم؟ في متنه إشارة إلى دور أشبه بدور الشركات الاستشارية، فالوزارة ستكون معنية بعقد اتفاقيات مع الهيئة، «بعد توصيف الأعمال المطلوبة وكلفتها وآلية تنفيذها ومراقبة حسن التنفيذ بموجب عقد رضائي شامل يجدد سنوياً».

المرسوم ينزع التشغيل والجباية من وزارة الاتصالات ويسلمهما لأوجيرو


يبدو المرسوم بحسب مصدر متابع أشبه بعملية تسليم وتسلُّم بين الوزارة والهيئة، بعد أن سبقها المرسوم الذي يُشرّع عملية تسليم جزء من مهمات «أوجيرو» إلى عدد من الشركات الخاصة. أي بمعنى آخر، إن الهيئة التي لطالما صنفت على أنها الذراع التنفيذية للوزارة، ستكون قادرة على التقرير، والحلول مكان مديرية الإنشاء والتجهيز ومديرية الاستثمار والصيانة، فيما يتحول التنفيذ إلى الشركات الخاصة. وبذلك تكون أموال الاتصالات كلها بيد أوجيرو، التي يفترض أن تحول الأموال إلى الوزارة (لم تعرف الآلية، هل ستجري مقاصة تقتطع من خلالها مستحقاتها رأساً، أم تسلم الأموال للوزارة، ثم تعود الأخيرة لتدفع لأوجيرو؟). مصدر مطلع يذكر أن كل المراسيم التي تتعلق بأوجيرو جاءت لتخالف قانون إنشائها، وبالتالي بدلاً من أن تسلّم مهمات الوزارة لأوجيرو كان يفترض أن يحصل العكس تماماً.
في كل الأحوال، إن عدم الطعن بالمرسومين وتحولهما إلى أمر واقع سيؤدي عملياً إلى تغيير وجه قطاع الاتصالات، علماً أن المرسوم الأخير أقرّ في جلسة عقدت في السرايا الكبيرة، وكان محورها اقتراع المغتربين، إضافة إلى نقل مباريات كأس العالم والتحضير لمؤتمر «باريس 4» (سيدر) والصرف الصحي في وادي قاديشا. ولم يُشَر في مقرراتها الرسمية إلى قطاع الاتصالات، على أهميته، لا من قريب ولا من بعيد.
ألا تحتاج قرارات من هذا النوع إلى تخصيص جلسات لها، أو ربما إلى قانون يصدر عن مجلس النواب؟ كل ذلك ليس مهماً، على ما يبدو، ومرة جديدة يُمرَّر قرار استراتيجي من دون فَسح المجال أمام الوزراء لدرس القرار ومناقشته بشكل وافٍ. ربما ليس رأيهم مهماً في ظل التوافقات الكبرى.