«مريض في مستشفى (...) بحاجة ماسّة إلى دم من فئة (...)». عبارة الاستغاثة هذه تظهر، بشكل يومي، على مختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. غالباً ما يُطلقها أشخاص «يتحرّقون» لتأمين وحدات دم وصفائح لإنقاذ مريض من ذويهم وأقاربهم. إذ لا بنك للدم في لبنان يضمّ «احتياطياً» يُجنّب الناس اللجوء الى استخدام وسائل الاستغاثة والاستنجاد.

(حسن بليبل)

المسؤولة المُعتمدة من قبل وزارة الصحة العامة عن إدارة بنك الدم، ريتا فغالي، تقول إن الأمر «مُتعلّق بخصوصية كل دولة، وللبنان خصوصيته التي تجعله في حلًّ من اتباع ما يُعمل به في دول أخرى». ما هو البديل من بنك الدم الذي تفرضه «الخصوصية اللبنانية» إذاً؟ بحسب فغالي، أوكلت الوزارة ملف تأمين وحدات الدم الى الصليب الأحمر اللبناني و«مستشفيات لا يملك بعضها ترخيصاً للقيام بعمليات نقل الدم»، على حد تعبير فغالي نفسها! بمعنى آخر، يتولى حالياً الصليب الأحمر بفروعه الثلاثة عشر، مهمة إدارة هذا الملف بشكل شبه كامل، في حين يقتصر دور وزارة الصحة على إطلاق حملات التوعية للتبرّع بالدم التي تُنظّمها اللجنة الوطنية للدم التي أُطلقت عام 2011، والمُكلّفة وضع خطّة «واضحة ودقيقة للملف». نحو سبع سنوات مضت على إطلاق اللجنة، من دون أن تتوصّل حتى الآن الى اعتماد خطّة واضحة تقضي بإنشاء بنك للدم أو تنجح حتى في تفعيل حملات التبرّع وزيادة أعداد المتبرعين.
أحد المسؤولين عن بنك الدم في أحد المُستشفيات يحمّل مسؤولية النقص الفاضح وغياب ثقافة التبرع بالدم لدى اللبنانيين الى وزارة الصحة، كون هذه القضية «خارج حساباتها». فـ«المشكلة الأساسية تكمن في غياب بنك رسمي للدم، في ظل الطلب الذي يفوق بكثير الكميات التي يتم التبرّع بها»، مُشيراً الى أن النقص الحاد غالباً ما يتعلّق بتأمين وحدات دم سلبية.

أسعار تنافسيّة!
في جولة سريعة على أسعار وحدات الدم التي تُباع في المُستشفيات، يتبيّن أن متوسط سعر وحدة الصفائح (بلاكيت الدم) يبلغ نحو 550 ألف ليرة لبنانية. سعر الوحدة في مُستشفى الزهراء في بيروت، مثلاً، يصل الى 500 ألف ليرة، وتصل «التسعيرة» في مستشفى الرسول الأعظم الى 590 ألفاً، وفي مُستشفى قلب يسوع الى 506 آلاف. فيما هناك مُستشفيات تبيع وحدات الصفائح للمرضى المُسجلين لديها فقط، وقد رفضت التصريح لـ«الأخبار» عن «تسعيرتها». أما وحدات الدم، فتتراوح أسعارها بين 100 و150 ألف ليرة للوحدة، علماً بأن بعض الحالات الصحيّة تحتاج الى أكثر من وحدة.
أخفقت اللجنة الوطنية للدم منذ سنوات في إنشاء بنك للدم وفي تفعيل حملات التبرّع


في مقابل «تجارة» المُستشفيات، نشأت «تجارة دم بالمفرق» يلجأ اليها أفراد يبيعون دمهم لقاء أسعار «تنافسية». يتقاضى محمد (27 عاماً) نحو 30 دولاراً لقاء تبرّعه بوحدة من دمه. يقول لـ«الأخبار» إن «الدم غالي» وإنه يُقدّم «سعراً أفضل من أسعار المُستشفيات التي تطلب بين 50 و100 دولار». لكن خطر هذا النوع من «التجارة» يتمثّل، بحسب مصدر طبي، في خلق سوق سوداء لا تراعى فيها المعايير الصحية وتغيب فيها الرقابة على آلية نقل الدم. إذ يُعدّ إجراء فحوصات عينات الدم للمُتبرّعين ضرورياً للتأكّد من صلاحية العيّنة وحفاظاً على سلامة كل من المُتبرِّع والمُتبرَّع له. وتشمل هذه الفحوصات إجمالاً فحوصات جرثومة نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد الوبائي والزهري.



«الاحتياطي» الأوروبي
بحسب موقع منظمة الصحة العالمية، يقدّر حجم التبرعات بالدم حول العالم بـ 11.5 مليون وحدة سنوياً، نصفها في الدول المتطورة التي تضم 19% فقط من سكان العالم، أي أن هذه الدول تملك فائضاً، في حين تعاني دول أخرى (معظمها في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وأفريقيا) نقصاً حاداً في احتياطي الدم، علماً بأنها تضم القسم الأكبر من السكان. وبحسب مجلة «إيكونوميست»، فإن معدلات التبرع بالدم في دول الشرق الأوسط أقل بمرتين إلى ثلاث من تلك التي تسجل في دول أوروبية.


أنواع المتبرعّين
يصنف المتبرعون في لبنان ضمن فئات ثلاث: متبرعون متطوعون؛ متبرعون لأحد أفراد عائلاتهم؛ ومتبرعون يتقاضون أجراً مالياً. لا إحصاءات دقيقة تحدد نسبة كل فئة من هؤلاء، لكن بحسب ملاحظات عاملين في المجال، فإن المتطوعين الذين يتبرعون لأحد أفراد عائلاتهم أو أصدقائهم هم الأكثر حضوراً، «وهم المحرك الأقوى لعملية التبرع بالدم في لبنان». فيما يشكّل المتبرعون لقاء بدل مالي الفئة الأقل.


بنك افتراضي للدم
انتشر منذ نحو سنة على الإنترنت موقع «بنك الدم»، وهو موقع مستخدم في كل الدول العربية، يهدف الى تأمين وحدات دم من كل الفئات لكل محتاج بأسرع وقت. وكل ما هو مطلوب من الشخص المحتاج تحديد المدينة الموجود فيها وفئة الدم، لتظهر لائحة بأرقام هواتف (غالباً ما يشار إلى صاحبها بـ«فاعل خير»)، بالإضافة إلى الساعات التي يستطيع صاحب الرقم التبرع خلالها. الموقع ليس شائعاً في لبنان، وتديره مجموعة من الشباب من مختلف الدول العربية، هدفهم «خدمة من هم في أمسّ الحاجة إلى قطرة دم».