محمد زهر ليس الضحيّة الأولى في حيّ الجامعة في الضاحية الجنوبية. يختنق الحيّ بأزماته حتّى يكاد ينفجر. يتذكر الجيران الحادثة: «حادث فردي».

عادي بالنسبة اليهم، وهنا يزداد الأسف. على دراجةٍ ناريةٍ سوداء، يمرّ صبيّ أمام مقهى الصّخرة على عجل. يتكلّم إلى رفاقه بلكنةٍ غير مفهومة، ويستخدم مصطلحاتٍ غريبة. لهم معجمهم الخاص. يقول ممازحاً إنّ إشكال الأمس ليس غريبًا بالنّسبة لهذا الحيّ... «فأنا عملت مشكل أكبر منو». يرفع قميصه عن خاصرته فيظهر جرحه الذي لم يضمد بعد. خسمون قطبة كادت تودي بحياته بعد أن تشاجر مع رجل ستيني بالسكين الأسبوع الماضي. السكين ذاتها لا تزال في جيبه «تحسباً لأيّ طارئ». العنف هنا أكثر من ثقافة. العنف يومي. وما حدث ليل أول من أمس، ليس الأول من نوعه.
كانت السّاعة تشير إلى التاسعة والنصف مساء. يهزّ اللاعب البرازيلي باولينيو شباك المنتخب الصربيّ بالهدف الأوّل. ترتفع أصوات احتفالات الشّبان في ساحة الحيّ وتطلق المفرقعات النّارية. للمواطن «المهمش» فلسفته الخاصّة في التشجيع. عادات لا تتبدل. على الطبقة الثانية من المبنى المجاور للمقهى رضيع في أيامه الأولى. يخاف الوالد علي بريطع على ولده من ضجيج الأصوات العالية، فيطلب إلى الشّبان الهدوء. بضع دقائق ويهتزّ الشّباك الصربيّ مجدّداً، فينفجر الوضع إلى حدوده القصوى.


حالة التلاسن التي سادت بعد انتهاء المباراة بين ح. بريطع (17 عاماً) وأبناء الحيّ، أدّت إلى تطوّر الخلاف بينهم سريعاً. رمى بريطع كرسيّاً من على شرفة منزله. أتبعه بمنقل فحم. لم يصب أحدٌ بأذًى حتى تلك اللحظة. لكن ثمّة من أطلق النّار في الهواء عشوائيّاً لتفريق الشباب، قبل أن يتطور الإشكال بين الذين يحتفلون، وبين المنزعجين من الاحتفال والصخب. على غفلة، تفاعل «المشكل» التافه. طعن بريطع الشّاب العشرينيّ محمد زهر بسكينٍ حادّ في صدره... «عن غير قصد»، تبرّر العائلة. الحفرة الصغيرة التي تركتها إحدى الرصاصات في الإسفلت أمام باب المقهى شاهدة على ليلةٍ دامية. أحداث «غير رياضية». الزّجاج المتناثر على الأرض أيضاً دليل على حالة الفوضى التي عمّت المكان. عندما تنظر إلى شاشة التلفزيون المعلّقة على الحائط يبدو الإطار معلّقاً على خلفيّة بيضاء وقد بهت لونها. أزيلت الشّاشة من مكانها. ربّما لأنّها كانت السّبب في افتعال مشكلةٍ لا دخل لها فيها. لأن الحائط صار حائط مبكى.
فازت البرازيل على أرض روسيا، وعمّت الإحتفالات شوارع ساو باولو، أمّا حيّ الجامعة فقضى ليلته يخفّف الآلام عن صدر زهر قبل أن يفارق الحياة. البرازيل وأحياؤها المتسمة بالعنف كانت هادئة. «هل بتنا أكثر عنفاً مما يحتمل الأمر؟»، يسأل أحد الجيران. تتعدّد الروايات حول الحادثة وتكثر الشائعات. لا رواية رسميّة من أي جهةٍ توضح ما جرى بالتفصيل. قوى الأمن الداخلي التي تصدر بياناتها عادةً، لم تصدر شيئاً. كل ما لدينا هنا هو «أثر العنف»، وروايات بضعة شبّان كانوا في المقهى صدفة عند وقوع الإشكال. يتفقون على أن المشتبه فيه صاحب «سمعة سيئة»، من دون التأكد من أي معلومة. العائلتان تعيشان حالة ذهولٍ وصدمة. تغيّرت أحوالهما، بعد أن كانوا جيراناً في حيٍّ واحد. أمّا الضحية زهر فقد شيّع بحزنٍ رهيب أمس في بلدته حاريص.
البحث عن قريبٍ لبريطع يبدو مستحيلًا في الجوّ المشحون الذي يسود المكان، لكنّ الجميع هنا يؤكّد على حسن تدبير عائلته التي سلّمته إلى استخبارات الجيش اللبناني بعد أن دهمت المنطقة فجر أمس. الحيّ الذي يعرف بصبغته البقاعيّة، يصرّ سكانه على إظهار صورة التآلف في ما بينهم، ومع أهل الجنوب أيضاً. لا يمكن حصر المنطقة باسم عشيرةٍ واحدة. للجميع حصته من النفوذ، وتالياً، من العنف. يهمس أحد الشّبان من آل علّوه سرًّا: «آل بريطع ليسوا عشيرة ومش قوايا لكن صهرن من عشيرة شمص»، التي استنكرت زج اسمها في الحادثة. الزواريب المتداخلة التي تقودنا إلى الحيّ تغرق بصور الشّهداء يميناً وشمالاً. هناك شهداء هنا، وهناك ضحايا. لا يختلف اثنان على هذا الرأي. يعتبر البقاع خزّان شهداء المقاومة، ولكن جولة قصيرة قد تجيب على الكثير من الأسئلة. الشكاوى لم تكن ضدّ القاتل بشخصه، بقدر ما كانت ضدّ الحرمان الطويل. كانت ضدّ صناعة القتلة. تعلو الصرخة بين الفينة والأخرى بحثاً عن نائبٍ واحدٍ على الأقل يقف إلى جانبهم في أزمتهم. في أحد البيوت من آل العطار، شقيقان شهيدان. شاهدان من صورهما على الحرمان.
انطوى ليل حي الجامعة على جريمة قتل فيما البرازيل وأحياؤها المتسمة بالعنف كانت هادئة


ليس فقط الناس يشهدون. علم الاجتماع لديه ما يقوله، على عجل. وإن كان الجميع «يستنكر» تكرر جرائم قتلٍ في حي السلّم أو في أي ضاحية فقيرة، فإنهم جميعهم يجمعون على أنّ «الفوتبول لا يستحق كلّ هذه العصبيّة والعنف». تتعدّد أسباب القتل من خلاف على أفضلية مرور إلى فنجان نسكافيه وانزعاجٍ من مباراة فوتبول، إلّا أنّ النتيجة تبقى واحدة. هل العنف هو كل ما تبقى لهؤلاء الفقراء؟ لماذا وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ يرجع المتخصص في العلم النفس الاجتماعي رائد محسن السبب إلى «استسهال حمل السلاح سواء أكان السلاح الأبيض أو السلاح الحربي وتحول القتل عدوى جماعية. فعندما يصبح السلاح بديلا لضربة الكف نصل إلى هذا الحد من العنف». يتحدث عن نتائج نلمسها في لحظة، ولكنها تتراكم عبر الزمن. ليس الاستسهال وحده سبباً. ثمة سبب آخر برأي محسن أشد فتكاً: «الولاء المطلق الذي اعتدنا عليه، سواء كان لزعيم او لفريق كرة قدم، وفي ظل عدم وجود ولاء للرياضة الوطنية يتحول هذا الولاء لفرق اخرى بحيث يصبح المس بالفريق مساً بالكرامة». إنها مسألة الكرامة التي يبحث عنها القاتل والمقتول والعائلات، وجميع الضحايا «المؤجلين»، في منطقةٍ صارت بأسرها ضحية.