اتجه الصحافي المصري الزميل محمد شعير (1974) منذ سنوات إلى منطقة سردية خاصة في كتابة سير الآخرين، مقتفياً آثارهم وأوراقهم المجهولة، ورسائلهم الشخصية، ومكتباتهم، فإذا به حيال كنوز كانت طي النسيان. بدأت مغامرته في هذا الحقل مع «كتابات نوبة الحراسة: رسائل عبد الحكيم قاسم» (2010)، الرسائل التي أضاءت جوانب من سيرة جيل الستينيات وأحلامه المسروقة، بالإضافة إلى مكابدات صاحب «أيام الإنسان السبعة» في مناوشة أسباب العيش بلا أقنعة. كما سينبش صفحات مجهولة من حياة أم كلثوم في كتابه «مذكرات الآنسة أم كلثوم» (2018) باستعادة وثائق نادرة تنطوي على ما يشبه السيرة المبكرة لأسطورة الغناء العربي، كانت نشرتها في مجلة «آخر ساعة» (1937)، بالإضافة إلى حوار كانت قد أجرته مع محمد حسنين هيكل حول السياسة والثقافة والفن. كما ضمّ الكتاب الوثائق القانونية لمعركتها مع الشيخ زكريا أحمد، وأسباب الخلاف بينهما. في المسلك نفسه، أنجز محمد شعير أخيراً كتابه «أولاد حارتنا: سيرة الرواية المحرّمة» الذي سيصدر قريباً عن «دار العين» في القاهرة، موثّقاً هذه المرّة المعارك والسجالات والألغاز التي أججتها إحدى أكثر روايات نجيب محفوظ (1911- 2006) إشكالية «أولاد حارتنا». وكان صاحب الثلاثية قد بدأ بنشر هذه الرواية على حلقات في صحيفة «الأهرام» المصرية في عام 1959، لكنه بدأ التفكير فيها منذ منتصف ثلاثينيات القرن المنصرم.

تضيء فصول الكتاب الرحلة الشاقة التي واجهتها الرواية بدءاً من بروفاتها الأولى، وكواليس كتابتها، وصولاً إلى منع نشرها، والاتهامات التي طالتها لجهة انتهاك المقدّس، وكيفية تناولها من قبل النقّاد بوجهات نظر متناقضة، مما جعل نجيب محفوظ نفسه يخضع نصّه إلى تفسيرات مختلفة، وفقاً لرياح هذه المرحلة أو تلك، قبل أن يقرّر طباعة الرواية في بيروت لتصدر عن «دار الآداب» (1968)، بعيداً عن سطوة الرقيب المصري. وتالياً، فإن هذه السيرة تتجاوز منع رواية بعينها، إنما تتطلّع إلى توثيق تاريخ الرقابة في مصر، ونفض الغبار عن مئات الوثائق والدوريات والمسوّدات التي تنطوي في جوهرها على صراع شرس بين حرية التفكير والاستبداد الرقابي بطبقاته المتعدّدة، وصورة حيّة لمعارك ثقافية وسياسية وفكرية.

مشروعان آخران قيد التحضير هما «المخطوطات المفقودة» و«ما يشبه السيرة»

إذ لم تشفع جائزة «نوبل» التي وضعت اسم نجيب محفوظ والرواية العربية في قائمة الإبداع العالمي من محاولة اغتياله (1995) على يد شاب لم يقرأ سطراً في الرواية، كان مدفوعاً بقوة الفتاوى الدينية التي كفّرت صاحب الرواية. نحن إذاً، إزاء دراما متوّترة تتجاوز منطقة التخييل الروائي نحو واقع محتضر تغذيه شجاعة الجهل بإجهاض أي إشعاع مارق يصطدم بمنظومة القيم المغلقة بإحكام على موروث لا يجوز المساس به. وبناءً على ذلك، سعى محمد شعير إلى وضعنا أمام مرآة لواقعنا الراهن الذي يبدو عبثياً ومؤلماً ومحزناً، باستخدامه تقنيات تمزج بمهارة بين الروح التسجيلية والعتبات السردية، أو كما يقول في تقديمه لـ «أولاد حارتنا»: «هي رواية الرواية، ورحلة بحث عن التفاصيل المنسيّة، حول البشر والزمن والتحوّلات، ودوائر الصراع المكتوم داخل حارتنا المأزومة».
ولكن هل اكتفى كاتبنا بهذا القسط من أوراق نجيب محفوظ وعالمه الثري بالذكريات والمواقف والأزمات؟ يجيب: «في كانون الأول (ديسمبر) 2011، بدأت العمل على كتاب بعنوان «أيام نجيب محفوظ». كان في واقع الأمر كتاباً عن مصر وما جرى لها عبر تسعة عقود، ولم يكن محفوظ غير تكأة عبر اختيار تواريخ تتعلق بحياته، وتكشف تحوّلات المجتمع. وأثناء العمل، اكتشفت أن محفوظ أشبه بجبل ثلج لا يظهر منه إلا قمّته». هذا الأرشيف الضخم قاده إلى التفكير بتحقيق كتابين آخرين، سيقوم بإنجازهما قريباً هما: «المخطوطات المفقودة»، و«ما يشبه السيرة».