يبدو أنّ السياسة الاقتصادية التي ينتهجها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، بدأت بتحريك التنين الصينيّ لاتخاذ بعض الإجراءات الاقتصادية الحاسمة التي من شأنها أن تجنّب بكين خسائر اقتصادية محققة. يأتي ذلك بعد نحو أربعة أشهر من «الحرب التجارية» التي اشتعلت بين واشنطن وبكين بفعل فرض الأولى رسوماً جمركية على واردات صينيّة بقيمة 50 مليار دولار سنوياً، واعتبار الصين أنّ الموقف الأميركيّ بمثابة حرب يشنّها ترامب على منتجاتها، ما دفعها إلى التلويح بإمكان فرض رسوم جمركية إضافية على الواردات الأميركية. ومن المقرر غداً أن تفرض الإدارة الأميركيّة رسوماً بنسبة 25 بالمئة على 800 فئة من المنتجات الصينيّة، تقدر قيمتها بـ 34 مليار دولار، الأمر الذي دفع بكين إلى فرض رسوم جمركية بالقيمة ذاتها على الواردات الأميركية، ستدخل حيِّز التطبيق في اليوم ذاته.

في السياق، ترى صحيفة «تشاينا دايلي» الصينيّة أنّ «الولايات المتحدة تحاول عمداً منع الصين من النمو للحيلولة دون تحدي دورها السابق في النظام الاقتصاديّ العالميّ... لقد حافظت الولايات المتحدة على الهيمنة في المجالين العسكري والمالي لعقود عدة»، مضيفة في مقال افتتاحيّ لها أنّ واشنطن «تسعى الآن إلى الهيمنة الاقتصادية».

عدوّ عدوّي... ليس صديقي!
لم تكتفِ بكين بذلك، إذ تسعى إلى الضغط على الاتحاد الأوروبيّ من أجل إصدار بيان مشترك قويّ خلال القمة المرتقبة بينهما الشهر الجاري للتنديد بسياسات ترامب التجارية، لكن لا يبدو أن الأمر سيكون سهلاً. فخلال اجتماعاتٍ عُقدت في بروكسيل وبرلين وبكين، اقترح مسؤولون صينيون كبار، من بينهم نائب رئيس الوزراء ليو هي، ووزير الخارجية وانغ يي، إقامة تحالف بين القوتين الاقتصاديتين، وعرضوا فتح المزيد من قطاعات السوق الصينية كبادرة «حُسن نية»، واقترحوا شروع الصين والاتحاد الأوروبيّ في تحرك مشترك ضدّ الولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية.
وقد صرّح ليو هي، مسبقاً، بأنّ بلاده «مستعدة لأن تعرض للمرة الأولى القطاعات التي يمكن فتحها أمام الاستثمارات الأوروبية خلال القمة السنوية المتوقع أن يحضرها الرئيس شي جين بينغ ورئيس الوزراء لي كه تشيانغ وكبار المسؤولين الأوروبيّين»، والمقررة في بكين يومي 16 و17 من الشهر الجاري. وفي تعليقٍ لها أمس، ذكرت «وكالة أنباء الصين الجديدة» (شينخوا) أنّ الصين وأوروبا «يجب أن تقاوما الحمائية التجارية يداً بيد»، مضيفة أنّ «الصين والدول الأوروبيّة شركاء طبيعيون... فهم يعتقدون جازمين أنّ التجارة الحرة محرك قويّ للنمو الاقتصاديّ العالميّ».
برغم ذلك، يبدو أنّ العرض الصينيّ يُقابل برفض أوروبيّ، إذ نقلت «رويترز» عن خمسة مسؤولين، أمس، أنّ الاتحاد رفض فكرة التحالف مع بكين ضد واشنطن قبيل القمة الصينيّة ــ الأوروبيّة. وأضاف هؤلاء المسؤولون أنّ «من المتوقع أن تخرج القمة بدلاً من ذلك ببيان ختاميّ متواضع يؤكد التزام الجانبين بنظام تجاريّ متعدد الأطراف، ويعد بتشكيل مجموعة عمل بشأن تحديث منظمة التجارة العالمية». ورغم الرسوم التي فرضها ترامب على صادرات المعادن الأوروبية والتهديد باستهداف صناعة السيارات في الاتحاد الأوروبيّ، فإن بروكسل تشارك واشنطن مخاوفها بشأن إغلاق الصين أسواقها وما تقول الحكومات الغربية إنّه تلاعب بكين بالتجارة للهيمنة على الأسواق العالميّة. وفي هذا السياق، علّق دبلوماسي أوروبي بالقول: «نوافق تقريباً على كل الشكاوى الأميركية تجاه الصين، لكننا لا نتفق فقط في كيفية معالجة الولايات المتحدة لها».

تتشارك بروكسيل وواشنطن المخاوف من إغلاق الصين أسواقها


في الأثناء، يواصل الأوروبيون إبراز مخاوفهم إزاء الحرب التجارية التي يبدو أنّها تقترب من الحدوث أكثر من أي وقت مضى. في السياق، أثارت المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل، أمس، مسألة شبح الأزمة الماليّة العالميّة، وحذرت من تداعيات محتملة لـ«حرب تجارية» مع واشنطن، قائلة إنّ التعريفات الأميركية على السيارات الأوروبية ستكون «أكثر جدية» من الرسوم على الفولاذ والألمنيوم. وأضافت أمام مجلس النواب في برلين، أنّ «الاستجابة العالميّة لسقوط السوق قبل عقد من الزمن أظهرت أنّ التعاون أفضل من الإجراءات الأحادية الجانب». وبصفتها زعيمة أكبر اقتصاد في أوروبا، أكدت ميركل عزمها على الكفاح من أجل عدم بقاء المؤسسات العالميّة تحت هجوم إدارة ترامب. وقالت ميركل إنّ «الولايات المتحدة لديها فائض تجاريّ مع الاتحاد الأوروبيّ إذا احتُسِبَت الخدمات».
جدير بالذكر أنّ ترامب كان قد هدّد سابقاً بوضع تعريفة بنسبة 20 بالمئة على السيارات المستوردة من أوروبا ما لم يُزل الاتحاد الأوروبيّ التعريفات الجمركيّة والحواجز «التي وضعت منذ فترة طويلة على الولايات المتحدة»، وهي خطوة من شأنها أن تضرب أهم آلة تصدير في ألمانيا. وعدلت شركة «دايملر ايه جي» لصناعة السيارات من توقعاتها للأرباح الشهر الماضي، قائلة إنّ صادراتها «تتضرر بسبب صراعات التجارة العالمية».
ويُذكر أنّ المسؤولين الحكوميين الألمانيين والفرنسيّين يعتزمون الاجتماع الأسبوع المقبل في باريس لتنسيق الاستراتيجيّة في مواجهة تهديد ترامب باستهداف واردات الولايات المتحدة من السيارات الأوروبيّة. لكن قبل ذلك، قالت مصادر في الاتحاد الأوروبيّ لوكالة «رويترز» إنّه إزاء رسوم ترامب على صادرات الصلب الأوروبية، من المرجح أن تصوّت دول الاتحاد اليوم الخميس على إجراءات اقترحتها المفوضية الأوروبية لكبح واردات الصلب إليها (تصلها بالخصوص من الصين والهند وروسيا وكوريا الجنوبية وتركيا وأوكرانيا)، وهذا ما يشير إلى تعقيدات التوصل إلى تحالفات تجارية عالمية كبرى لمواجهة ترامب. ويمكن بمقتضى قواعد منظمة التجارة العالمية فرض رسوم جمركيّة «لحماية مؤقتة» لفترة تصل إلى 200 يوم إذا جرى التوصل إلى نتيجة أولية بأن زيادة الواردات تسبّبت أو تهدد بالتسبّب بضرر شديد بقطاع الصلب في الاتحاد. وقالت سيسيليا مالستروم مفوضة التجارة بالاتحاد الأوروبي الشهر الماضي إن «إجراءات الحماية المؤقتة من المحتمل أن يبدأ تنفيذها في تموز».
في غضون ذلك، قالت «منظمة التجارة العالمية»، أمس، في تقرير عن القيود التجارية بين دول مجموعة العشرين، إنّ «الحواجز التجارية التي أقامتها اقتصادات كبرى قد تعرض للخطر تعافي الاقتصادي العالمي، حيث بدأت آثارها في الظهور بالفعل». وقال روبرتو أفيفيدو، وهو المدير العام للمنظمة: «يشكل هذا التصعيد المتواصل تهديداً خطيراً للنموّ والتعافي في جميع الدول، وبدأنا نرى انعكاس ذلك في بعض توقعات النشاط الاقتصاديّ».