برازيليا | استفاق مناصرو حزب العمّال البرازيلي أول من أمس، على نبأ طالما انتظروه بفارغ الصبر: قاضي محكمة التمييز روجيريو فافريتو، يوقّع شهادة إخلاء سبيل زعيمهم لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ويأمر السلطات الفيدرالية بالامتثال الفوري، إذ إنّ الزعيم اليساري يتعرض لانتهاكات خطيرة ولحرمان من حقوقه السياسية والاجتماعية والعائلية. مطالعة قضائية فريدة في الشكل والمضمون، ومناقضة لكل الاتهامات التي سيقت ضدّ دا سيلفا حول تسلمه رشوة تمثلت في شقة فاخرة جنوب ساوباولو.

بعد قرار فلوريس، تلاشت آمال المنتظرين أمام مقر الشرطة في كوريتيبا (أ ف ب )

نزل قرار قاضي التمييز المناوب كالصاعقة على التكتل اليميني الذي حشد كل الطاقات لإبقاء الزعيم اليساري سجيناً، فسجن دا سيلفا ليس مجرد حجز لحريته، بل محاولة لتجميد تأثيره الخطابي وقطع صورته الجذابة عن مناصريه. جدير بالذكر أنّ القضاء كان قد حجب عن دا سيلفا حقه في التواصل الإعلامي ومنع عنه الزيارات إلا بحدود ضيقة جداً، إضافة إلى طرده أخيراً عشرات النواب والوزراء وناشطي المجتمع المدني من أمام مبنى الشرطة الفيدرالية وحظر لقاء دا سيلفا الموقوف منذ ثلاثة أشهر في مدينة كوريتيبا.
من مكان إجازته في البرتغال، سارع القاضي سيرجيو مورو، إلى إعلان عدم التزامه بالقرار القضائي، في سابقة لم تُسجّل في تاريخ البرازيل الحديث. رفض مورو قرار قاض مناوب في محكمة التمييز خلق حالة إرباك قضائي غير مسبوقة أيضاً، فكرر قاضي التمييز حكمه للمرة الثانية طالباً من الشرطة الفيدرالية الامتثال فوراً إلى قراره الواضح والصريح.
في هذه الأثناء، تداعت قوى اليمين إلى غرفة عمليات مفتوحة لتجنب «كارثة» إطلاق سراح دا سيلفا، فقرار محكمة التمييز العليا شرعي ولا غبار على قانونيته، وتمرد القاضي مورو خطوة تنافي كل الأطر القانونية. هذا الإرباك أحدث خطوات مستعجلة أكدت شرعية قرار إخلاء دا سيلفا، وأهمها مسارعة النيابة العامة إلى استئناف الحكم القضائي وهو الخطأ القاتل الذي ارتكبه اليمين الذي كان قد أدار معركة «لا شرعية الحكم» في الساعة الأولى ثم طالب بنقض الحكم في الساعة الثانية. وما نقض الحكم إلا اعتراف به كإطار قانوني استدعى مراجعة تحت الإطار نفسه.
ما جرى قبل يومين يبدد شكوك من آمن يوماً بالتمثيلية القضائية


لجأت غرفة العمليات التي أدارت اتصالات ربطت بين كبرى مؤسسات الدولة والمؤسسات القانونية والقضائية المتحالفة إلى خطوة مستعجلة أخرى، فانبرى القاضي جواو جبران نيتو، إلى إلغاء قرار زميله فافريتو، في خطوة أشبه بالنكتة القضائية (نيتو القابع في إجازة طويلة لا يحق له إلغاء حكم قاض مناوب تحت أي مسوغ قانوني). عندها ساد التخبط في المؤسسات القضائية، فلم يعد بالإمكان تغطية هذه الفضيحة القضائية خصوصاً بعدما أصدر القاضي المناوب أمره الثالث بوجوب إطلاق سراح دا سيلفا فوراً. إثر ذلك، انبرت رئيسة المحكمة العليا كارمن لوسيا، لإصدار بيان يغسل كفيها من هذه التجاوزات الفاضحة، ويؤكد حق القضاء في إصدار أحكامه وضرورة الامتثال لها من دون تردد أو تململ.
أما كبرى المؤسسات الإعلامية، فقد نظمت بدورها هجوماً شرساً ضدّ القاضي روجيريو فافريتو، ووصفته باليساري المنحاز، وبالموظف لدى مؤسسات لولا دا سيلفا، فيما حملت مواقع الصحف والإعلام المرئي عنواناً واحداً ومضموناً واحداً يهدف إلى تهشيم صورة هذا القاضي. وحين سربت بعض المواقع اليمينية رقم هاتف فافريتو، فانهالت عليه اتصالات الشتائم والتهديدات له ولعائلته، تكاملت الأوجه الثلاثة للمعركة: المواجهة القضائية، الحملة الإعلامية المنظمة، وإطلاق عنان «البلطجية» لاستكمال مشروع التهشيم والتخويف.
لم تنجح كل هذه المحاولات في تطويق قرار قضائي شرعي، فهذه الهجمة لا يمكنها تعديل القوانين ولا العبور فوقها. كان تكتل اليمين يسابق الوقت لابتداع إجراء قضائي ناجع يبطل هذا الحكم النافذ قانوناً، وقد جاء «الحل» أخيراً بعد امتثال رئيس محكمة التمييز تومبسون فلوريس، للضغوطات الهائلة، فتوجه في السابعة من مساء الأحد إلى مبنى المحكمة في شكل يشبه الاستدعاء وأصدر حكماً أبطل فيه حكم قاضيه مكرّساً بذلك سجن الزعيم العمالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.
بعد قرار فلوريس، تلاشت آمال المنتظرين أمام مقر الشرطة الفيدرالية في كوريتيبا، واختفت بسمة البهجة بلقاء زعيمهم المسجون منذ تسعين يوماً، لكن دا سيلفا الجالس أمام شاشة التلفاز كان ينظر إلى خصومه وهم يهرعون إلى تطويق حريته عبر ابتزاز القضاء وتخويف رجالاته. ابتسم دا سيلفا الذي يدرك حقيقة أعمق من ظاهر تكريس سجنه، فالرجل المخضرم في النضال يعلم أنه يواجه سلطة نافذة ومدعومة بكل وسائل القمع، وأنها لن تقف متفرجة أمام خروجه منتصراً ليكمل مشواره الرئاسي حيث تعطيه كل استطلاعات الرأي الأرجحية في الانتخابات المقبلة. لكنّ الزعيم القابع خلف القضبان، كان يعلم أنه بأمسّ الحاجة إلى هذا الاختبار الذي سيبدد شكوك من آمن يوماً بالتمثيلية القضائية، فالمشهد الفضائحي الذي ظهر يوم الأحد أسقط آخر الأقنعة القضائية، وثبت أن لولا دا سيلفا معتقل سياسي يقبع في زنزانة الدكتاتورية البرازيلية المقنعة.