الحاضر غير الماضي، والمستقبل أسوأ بكثير. بهذه الكلمات يمكن وصف الوضع الراهن لعددٍ من الأندية البيروتية التي كانت حتى الأمس القريب من أبرز أركان الرياضة اللبنانية، وأمثولة في تحقيق النجاحات والنتائج المميزة محلياً وخارجياً. والحديث هنا تحديداً عن مجموعة من الأندية في القسم الشرقي من بيروت أو ما يُعرف بـ «الأندية المسيحية»، إذ لا يخفى أن اندية عدة وُجدت أصلاً من قلب مطرانيات أو مرجعيات روحية، فأخذت التسمية من خلال هذا الارتباط بعيداً من وجودها المناطقي. والتسمية هنا لا تتخذ طابعاً طائفياً، بل طابعاً وصفياً صرفاً. في أية حال هذه الأندية وصلت إلى وضعٍ ميؤوس منه. تساقطت بفعل السنين من شجرة الرياضة المحلية كتساقط أوراق الخريف. نتحدث عن أندية ساهمت على نحوٍ كبير في صناعة سمعة كرة القدم وكرة السلة، فأين الأهلي صربا في الأولى، وأين أبناء نبتون في الثانية، وغيرهما من الأندية التي شكّلت حجراً أساسياً في بناء اللعبتين؟

مع الزمن اختفى عددٌ كبير من الأندية في الشطر الشرقي، واستمر الأمر حتى يومنا هذا في كرة القدم تحديداً. الحكمة هبط إلى الدرجة الثانية ولم يعد، والفريقان «الأرمنيان» هومنتمن وهومنمن كادا يختفيان كليّاً من الوجود، فبقي السلام زغرتا البعيد شمالاً، والراسينغ كمملثين لهذا الشارع ــ إن كنّا نريد أن نتحدث بلغة المجتمع اللبناني من دون أن يعني ذلك قبولنا بها ــ في كرة القدم.
اليوم مع الأزمة التي يعيشها الراسينغ الذي يُعدّ أحد أعرق الفرق اللبنانية، تبدو الأمور سائرة نحو الأسوأ، خصوصاً أن «سندباد الكرة اللبنانية» الذي خطّ صولات وجولات خارجية وكان دائماً ندّاً عنيداً لأقوى الفرق المحلية، بات وجوده مهدداً، لا بالبقاء في الأولى بل بشكلٍ عام.

دور الأحزاب الغائبة
عندما قرر النائب السابق ميشال فرعون إعادة النظر في ما يدفعه سنوياً دعماً لنادي الراسينغ لم تستغرب أدارة الأخير. مصادر الإدارة تؤكد أن لا علاقة لنتائج الانتخابات بهذه الخطوة، وتستشهد بما مرّ به النادي خلال الموسم الماضي حيث كان قريباً من الانسحاب من مباراته أمام العهد اعتراضاً على مكان إقامتها.

تنقسم مشاكل الأندية بين غياب الدعم وصراعاتها الداخلية وتجاهل الأحزاب لها


أمين صندوق الراسينغ جورج حنا يدافع عن فرعون ولا يلومه، فيقول: «فرعون حمل النادي على أكتافه لمدة 15 عاماً، ويحق له بالتالي القيام بدراسة شاملة لوضع اللعبة بالتنسيق مع الهيئة الإدارية، وذلك بعد «وجع الرأس» الذي عايشه وما مرّ الراسينغ به. هي خطوة غير مستغربة بالنسبة إلينا، إذ إن الوضع العام لكرة القدم لا يشجّع على المضي قدماً في أيّ مشروع». ويصوّب حنا على نقطةٍ يمكن لمسها في العديد من الأندية المحسوبة على زعماء مسيحيين، بالمعنى اللبناني للكلمة، وهي أن الداعم الأساسي للنادي سواء كان سياسياً أم رجل أعمال لا يلقى أيّ دعمٍ من الأحزاب التي تمثّل المسيحيين تقليدياً، بعكس ما هو الحال عليه في أندية أخرى، أقله لجهة تأمين جهات داعمة إضافية تخفّف من الحمل الثقيل على «راعي النادي» الأوحد. وبلغةٍ لبنانية أيضاً، يشرح حنا متسائلاً: «تتوجه عند الأحزاب المسيحية فتجد أن الرياضة لا تهمها بل المكاسب السياسية فقط، فيكون الجواب غالباً: اللعبة ليست لنا. لكن ماذا يعني هذا الكلام؟ نحن جزء لا يتجزأ من تاريخ كرة القدم في البلاد، ومن غير المقبول ألّا نحظى بالدعم نفسه كما تحظى به أندية أخرى من أحزابٍ سياسية». الواقع أن «الأندية المسيحية» مظلومة على هذا الصعيد إذا ما أخذنا أندية أخرى في لبنان تحظى برعاية الأحزاب، ولو أن هذه الرعاية قد لا تكون مادية. وعلى سبيل المثال لا الحصر ناديا النجمة والأنصار، إذ معلوم مدى تأثير «تيار المستقبل» في حاضرهما، وذلك من خلال تأمين مموّل لهما، فمن دون مباركة التيار لم يكن نبيل بدر رئيساً للأخضر ولا أسعد صقال رئيساً للنبيذي. وإن كان كثيرون يعتقدون أن «تطييف» اللعبة ليس في مصلحتها ولا يؤدي إلا إلى التخريب.

موالاة ومعارضة
وإذا سلّمنا جدلاً بأن الأحزاب المسيحية لا تلعب أي دورٍ إيجابي على هذا الصعيد وهي تهتم ربما بالأندية الرياضية قبل الانتخابات لا بعدها، فإن بعض الأندية تشبه هذه الاحزاب من خلال التجاذبات والانقسامات الداخلية، فتظهر حالات لا توجد في أندية أخرى، فهناك في الراسينغ «موالاة ومعارضة»، وفي الحكمة الأمر عينه، ما يؤثر في عملية الاستقرار التي هرّبت مستثمرين ورعاة وداعمين وحتى محبّين إذا ما اخذنا النادي الأخضر كمثلٍ، وهو الذي لا يزال يتخبّط إدارياً ومالياً ولا يبدو أنه سيخرج من دوامة الأزمة قريباً. الحكمة أصلاً لم يعد يكترث لكرة القدم، تماماً كما هو الأمر في هومنتمن، إذ ذهب الناديان إلى ميادين كرة السلة التي تكلّف فرقها أضعاف فرق لعبة الملاعب الخضراء. البعض يقول إن الطمع بالأضواء وحبّ الظهور هو السبب الرئيسي وراء هذه الخطوة، لكن مصدراً رفض الكشف عن اسمه يعيد الأسباب إلى أن «صيت لعبة كرة القدم لا يساعد الأندية في جلب رعاة وخصوصاً في المنطقة التي ينتشر فيها جمهور الفريقين تاريخياً، ما لم يشجعها على مواصلة السير على درب التقليد القديم والبقاء فيها، فالفرق السلوية البارزة حالياً خرجت من رحم أندية كانت كرة القدم السبب في نشأتها. ويستشهد المصدر بتجربة أنطوان شويري الذي قَدِم إلى نادي الحكمة في تسعينيات القرن الماضي حاملاً أحلاماً كبيرة منها الفوز باللقبين العربي والآسيوي، «لكن تمّت محاربته فهجر اللعبة إلى كرة السلة حيث حصل على مراده». ويبدو مستغرباً هنا الكلام عن صيت كرة القدم، فهناك أندية همّشتها داخلياً لكنها الآن جزء من إدارتها على غرار هومنتمن الذي ينضوي تحت لواء «حزب الطاشناق» المُمثّل بعضو في اللجنة التنفيذية للاتحاد، فإذا كانت اللعبة غير صالحة، يُطرح سؤال هنا حول سبب الانغماس في إدارتها.

مشكلة البلديات والملاعب
وتضاف إلى هذه المشاكل مشكلة أخرى وهي اختفاء الملاعب من المناطق عموماً، ومن المناطق التي توجد فيها القاعدة الشعبية الأساسية للحكمة والراسينغ، ما قلّص من حجم اكتشاف لاعبين جدد واستقطاب جمهور هذه الأندية، الأمر الذي أثّر على نتائجها الفنية، وبالتالي على إمكانية حصولها على عقود رعاية تكفيها لسدّ ميزانياتها الموسمية، إذ صحيح أن ناديي الحكمة والراسينغ بيروتيان لكن قاعدتهما الجماهيرية تنحصر في «المنطقة المسيحية»، حيث يبدو الملعب الصالح لاستضافة المباريات والأقرب إلى مقرهما (الأشرفية) في هذا الجزء من البلاد ملعب مجمع السلام زغرتا الرياضي في المرداشية!
ملعب برج حمود مقفل بوجه هذه الأندية بقرار من البلدية بحسب مصادرها ومن دون أسباب واضحة، بينما ابتعد ملعب مجمع فؤاد شهاب الرياضي في جونية عن استضافة المباريات منذ زمنٍ بسبب أرضيته غير الصالحة، والتي يتم حالياً العمل على فرشها بالعشب الاصطناعي، ما يعطي بارقة أمل في نفقٍ مظلم على هذا الصعيد.
أين المنشآت الرياضية من خطط لجان الرياضة في الأحزاب التي «طوشت» رؤوس الناس بما تسميه «حقوق المسيحيين» وتمثيل المسيحيين؟ سؤال يطرحه أكثر من مصدرٍ مواكب لما يسمّونه مآسي «أندية المنطقة»، حيث يشيرون بأصابع الاتهام إلى لجان الرياضة في هذه الأحزاب والتي بحسب رأيهم «لا تؤثر في قرارات النواب أو الوزراء التابعين لأحزابهم للدفع نحو عملية إنماء على صعيد البنى التحتية الرياضية بل إنها تعمل بأسلوب الأحزاب لناحية اكتفائها بالدخول في صراعات المحاصصة وكسب المناصب في هذا الاتحاد أو
ذاك».
اذاً مأساة حقيقية قد تصيب المزيد من «الأندية المسيحية» الماضية حالياً من دون معرفة مصيرها أو ما سيخبئ لها الغد، لكن حتى يومنا هذا تبقى المعضلة نفسها والحلول غائبة، والمستقبل مجهول. أما المأساة الأكبر، فهو اضطرار اللبنانيين إلى الحديث حتى يومنا هذا بلغة «المسلمين والمسيحيين»، حتى عندما يتحدثون عن كرة القدم أو عن البرغل، أو أي شيء آخر.