«بعد جمعة من الاجتياح 1982، بلّش المونديال. تصوّر بلدي عم يحتلوه، وأنا عم فكر بماتش. هيدا اليوم بتذكروا كتير منيح: ماتش ايطاليا والبرازيل. بالمنطقة لي كنا فيها بالأوزاعي، كل أهلها هربوا، مقاتلين بس. ولازم أحضر الماتش! بيني وبين نفسي قلت بهرب، بزت سلاحي وبهرب... آخر شي في شب معي قلي بيوصل بطارية عالتلفزيون الزغير. نحن وعم نحضر، القصف هدي بشكل مفاجئ...متل كأن الجيش الاسرائيلي كمان بدو يتابع الماتش الخسارة (خساة البرازيل) كانت مش بالعقل. لو لوحدي كنت بكيت. بعد ما خلص الماتش بربع ساعة، احترقت المنطقة. وما فقت إلا بالمستشفى». هذا المشجع اللبناني الحقيقي. لكن، لماذا يحدث كل هذا؟ لماذا تصير كرة القدم أهم من الحياة؟

تقرّب كرة القدم من لم توحّدهم مصيبة النفايات وكارثة البطالة وأزمة الفقر ونزاع الارض. وفي الاقتباس المذكور في المقدمة، مِن الفيلم القصير Lebanon wins the world cup، جمع الفوتبول عدوّين لبنانيين يشجعان البرازيل (ولكل أسبابه) قاتلا على الجبهة في الحرب الأهلية اللبنانية. ولا عجب أنه إذا أوقف المونديال الحرب لـ90 دقيقة، أن يجعل الشعوب منهمكة به. جماهير الأرض تتحد ولا يتحد عمالها. مشجعو الكرة يتحدون ويفترق المحتربون. مثلاً، هنا في لبنان، الحكومة لم تتشكّل بعد، لكن من كان مهتماً؟ تلفزيون لبنان نقل المونديال. والجميع كان منشغلاً بالمونديال. دعونا نكن صريحين: أليس المونديال أفضل من الخطابات والمؤتمرات التي تجترّ نفسها؟ مجرد سؤال. سؤال آخر: ماذا عن المونديال نفسه؟ لماذا كل هذا الاهتمام؟
تعدّ الرياضة، وبشكل خاص كرة القدم، المعادل الأخلاقي (moral equivalent) للحرب، لأن لها بعض التأثيرات النفسية والاجتماعية ذاتها على الأفراد. في الحرب كما أثناء مشاهدة كرة القدم. يفجّر الفرد القيم العليا الإنسانية الدفينة في داخله: كالانضباط والشجاعة والتضحية بالذات والبطولة والشرف والغيريّة، وحس الجماعة، وحتى إيجاد المعنى والهدف للوجود. لكن الأهم، هو شعور المدنيين/المشاهدين والجنود/اللاعبين بأنّهم يقومون بـ»الخير الأعظم» (The Greater Good). ذلك أن كرة القدم تخلق حالة من «الحياة والموت»، فيها معان وأهميّة أكبر من حقيقتها الهشة فعلياً. وتالياً، تخلق إطاراً آمناً حيث التعبير عن المشاعر والعواطف والقيام ببعض السلوكيات يصير مسموحاً به. لذلك، من الطبيعي أن ترى مثلاً الأشخاص الخجولين أو المنطوين على أنفسهم يصيحون ويهتفون ويضربون كفاً بكف (ويغمر بعضهم بعضاً) في موجة من الحماسة لا يحدّها أي شيء. سنحاول فهم السلوكيات الجماعية ولن نصفها، ذلك أننا نعيشها كل يوم، أو بالأحرى لم نعشها كما يجب لأن الفِرق الكبرى ــ مِثل ألمانيا والبرازيل ــ خرجت من المنافسة باكراً، وكذلك خسِرت السياسة اللبنانية «الدربي»: 8 و14 آذار نزلا إلى «الدرجة الثانية».
يسعى الإنسان الى القيام بأي سلوك يعزز ثقته بنفسه ويخفّف عنه الضغوطات ويشعره بالمعنى. والرياضة والترفيه يشبعان هذه الحاجات. ولكن أكثر من ذلك، ما يجعل من كرة القدم الرياضة الأكثر شعبية والأكثر مشاهدة على الصعيد العالمي، وما يعطيها تقدّمية على سائر النشاطات الجماعية الثقافية والاجتماعية، هو الحماسة في الترقّب: لا يمكننا معرفة النتائج النهائية. هذا فضلًا عن كون تشجيع فريق رياضي غير مكلف، ويتطلّب القليل القليل من المهارات والقدرات، ويفيض بالإيجابيات على المشجعين، إذ برهن بعض الدراسات أن تشجيع فريق معيّن يُشعر الفرد بالانتماء والفخر، والرفاه والسعادة، ويصل ذلك الى خفض درجات الوحدة والعزلة، كما يسمح له بالهروب من الواقع. بشكل أدقّ، نقصد الهروب من الوحدة والشعور بالعجز اللذين نقع ضحيّتهما في ظل بيروقراطيات الحياة الحديثة. والمشجعون نوعان: المشاهدون العاديون الذين يتابعون الماتش وينسونه، والمعجبون الشغوفون الذين يخصّصون أجزاءً من أوقاتهم للاطلاع على الفرق، والتحاليل، ومتابعة أخبار فرقهم المفضّلة والمقابلات، وينخرطون بمشاعرهم في اللعبة. الفرق بين الاثنين هو كمية الشغف.
لنتخيّل الآن (مجدداً) أن فرنسا تلعب ضد كرواتيا في النهائي (كما لو أن المباراة لم تقع بعد): هناك 3 سيناريوات لسلوك وردود أفعال المشاهدين والشغوفين:

ــ الأول BIRGing (basking in reflected glory)
وهو الميل إلى إعلان الأفراد ارتباطهم بالفريق الناجح. أي إذا ربحت فرنسا، فسيعتزّ مشجعوها ويفتخرون، ويشعرون بالراحة والسعادة في اليوم التالي من المباريات، حتّى إنهم سيشعرون بطرق أفضل حيال ذواتهم. وحين ينخرطون في الحديث عن اللعبة، سيستعملون ضمير المتكلم بالجمع «نحن»، «فريقنا»، «لعبنا بشكل رائع»، «نستحق الفوز».

ــ الحالة الثانية هي CORFing (cut off reflected failure)
هي الميل الى تجنّب الارتباط بالفريق الخاسر: خطة نفسية دفاعية يقوم بها المشجع الذي خسر فريقه لحماية صورته، وما للخسارة من تهديد على تقديره لذاته. فإذا خسرت فرنسا، فلن ينسب مشجعوها الفشل اليهم، وسينسفون لعبها ولعب الفريق الآخر.
السيناريوان السابقان يمكن أن ينطبقا على المشجع العادي، في حين أن المعجب الشغوف، في الخسارة أو الربح يرى فريقه بصورة إيجابية دائماً، لأن لهذا أيضاً تهديداً لتقدير الذات. فانغماسه الشديد في لعب فريقه وحبّه الشديد له، يعتبران امتداداً لذاته وهويّته. وهنا قد يصبح الوضع خطيراً بأفعال المعجبين الشغوفين الذين يعنفون ويصبحون همجيين تجاه مشجعي الفرق الأخرى. هذا ما حصل حين طعن شاب لبناني يحب البرازيل، شاباً آخر يشجع ألمانيا. فالجماهيرية تدفع الأفراد الى التصرف بغير عقلانيّة، حيث تغلب الغريزة الرقيب (sur-moi) وتكون السلوكيات عبارة عن إفراغ أنواع من الكبت الداخلي، بحسب فرويد. ويمكن إضافة العوامل الخارجية التي تسبّب عنفاً، حينما تصير كرة القدم أداةً لإظهار العنف. أكثر من ذلك: ينجرف المشجّع أحياناً الى ما يسمى ظاهرة التكيّف الخرافي (superstitious conditioning). بعضهم يعتقد أن وضع القبعة بالمقلوب سيساعد فريقه على الربح، لأنه فعلها مرّة و»زبطت»، وآخر يضيء شموعاً للدعم الروحي لفريقه، وآخرون يلبسون القمصان والأحذية والقبعات الدالة على الفريق للدعم المعنوي بهدف الربح (وأيضاً للتماثل والى ما هناك). ومنهم من لا يشاهد المباراة، لأنه يعتقد أن حظّه السيّئ سيخسّر فريقه: جنون لا يتوقّف!



بالبندورة والبطاطا!
اللاعبون أنفسهم يتأثرون بظاهرة عالم النفس روي بومايستر، الذي يقول إن الفريق المضيف (أي روسيا في هذا المونديال) غالباً ما يخسر، لأن الوعي الذاتي (self-consciousness) للّاعبين يزيد بطريقة مرضية، ولا يركزون على اللعبة بل على شعور المشجعين والاحتفالات التي سيحصلون عليها لاحقاً إن فازوا. شيء مثير للاهتمام، لكنه ليس حتمياً ومعرّض للنقد من قبل العديد من العلماء. روسيا أثبتت أن بومايستر لم يكن محقاً تماماً، لكن روسيا كانت استثنائية. أكثر اللاعبين ركضاً في المونديال كانوا من الروس. أما في ما يخص سيناريوات فرنسا وكرواتيا، فقد لُعِبت المباراة. ولكم أن تراقبوا ردود أفعال المتابعين، من المشجعين حول العالم، وصولاً إلى السيد إيمانويل ماكرون.
الأمر ليس سلبياً دائماً. فحتى لو استُقبل الفريق البرازيلي بالبندورة والبطاطا بعد خسارته، يجب أن نتذكر أن انتشار كرة القدم في كولومبيا والبرازيل أدى إلى انخفاض نسبة الجريمة والعنف في أحياء العصابات، منذ 60 عاماً حتى اليوم. وما زالت المدارس اللبنانية تحرم الأولاد من ساعات الرقص والرياضة والمسرح والموسيقى.