دشّنت القوات اليمنية المشتركة، يوم أمس، مرحلة جديدة في عمليات سلاح الجو المسيّر التابع لها، باستهدافها، للمرة الأولى منذ دخول هذا السلاح مجال المعركة، منشأة نفطية في العاصمة السعودية الرياض. استهداف يمثل تطوراً نوعياً في هجمات الطائرات المسيَّرة، التي اقتصرت، حتى ما قبل الساعات القليلة الماضية، على الداخل اليمني والمناطق الحدودية بين اليمن والمملكة. كذلك، يؤكد تطور يوم أمس أن الجيش واللجان ماضيان في تعزيز قدرتهما على وضع العمق السعودي تحت خطر نيرانهما بشكل متواصل ومطّرد، حتى تقتنع الرياض بأن لا أمان للسعوديين إلا بوقف العدوان على اليمنيين، وتلك هي المعادلة التي أعاد التشديد عليها قائد «أنصار الله»، عبد الملك الحوثي، لأن «موقفنا من الأساس هو الدفاع عن النفس»، كما جاء في مقابلته مع صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

وأميط اللثام، أمس، عن طائرة جديدة من طائرات سلاح الجو المسيّر، تحمل اسم «صماد 2»، وتتميز بأنها بعيدة المدى، وفقاً لما أفادت به وكالة «سبأ» الرسمية التابعة لحكومة الإنقاذ. ودشنت الطائرة الجديدة، المُسمّاة باسم رئيس المجلس السياسي الأعلى (سابقاً) الشهيد صالح الصماد، عملياتها بغارة استهدفت مصافي شركة النفط السعودية العملاقة، «أرامكو»، في الرياض. وأفاد مصدر عسكري من القوات المشتركة بأن «الطائرة محلية الصنع، قطعت مسافات طويلة، وحققت هدفها بنجاح»، فيما تحدثت «أرامكو»، في تغريدة على «تويتر»، عن «حريق محدود في أحد الخزانات في مصفاة الرياض»، قائلة إن «فرق الإطفاء في أرامكو والدفاع المدني تمكنت من السيطرة عليه»، وإنه «لم تقع أي إصابات، ولم تتأثر أعمال المصفاة بهذا الحريق» (قبل أن تدعي لاحقاً أن الحريق ناجم عن «حادث يتعلق بالعمليات»). وبمعزل عن حقيقة ما سببته الغارة من أضرار، فإن مجرد وقوعها يحمل دلالات عدة أبرزها: أن سلاح الجو المسير التابع للجيش واللجان لا يزال العمل جارياً على تطويره، بما يؤهله لأداء دور رئيس في منظومة الردع اليمنية التي يُعمَل على بنائها. حقيقة كانت قد طرقت أذهان قيادة تحالف العدوان بقوة مطلع الشهر الجاري، عندما استهدفت طائرة مسيرة مقر قيادة «التحالف» في مديرية البريقة بمدينة عدن (جنوباً). واليوم، مع وصول طائرة من دون طيار إلى الرياض، بعد استهداف مماثل لمواقع في عسير وجيزان في شهر نيسان/ أبريل الماضي، يزداد هذا الهاجس حضوراً، خصوصاً أن القوات المشتركة وصّفت عملية أمس بأنها «باكورة لمرحلة ردع جديدة»، مُتوعِّدةً على لسان الناطق باسمها، العميد شرف لقمان، بـ«مفاجآت خلال الأيام المقبلة».

يبدو نائب المبعوث الأممي «متفاعِلاً» مع مطالب الإمارات وأطماعها


أما ثانية أبرز الدلالات، فهي أن مراوغة السعودية والإمارات في تخفيف وتيرة العمليات (مثلما حصل على جبهة الساحل الغربي) - مع تواصل استهداف المدنيين واستمرار الحصار المفروض على البلاد - لن يردع الجيش واللجان عن تنفيذ هجمات ضد العمق السعودي، على اعتبار أن العدوان لا يزال قائماً، وأن أي تبدل في مجرياته إنما هو جزء من تكتيكات الرياض وأبو ظبي التي تخصهما وحدهما. انطلاقاً من ذلك، تواصلت خلال الأيام الماضية عمليات القصف الصاروخي على مناطق في الداخل السعودي، وفي السياق نفسه أيضاً جاءت عملية أمس، في وقت كان فيه قائد «أنصار الله» يؤكد «(أننا) مستعدون لوقف القصف الصاروخي على السعودية والإمارات إذا أوقفتا القصف على بلدنا»، في معادلة كلامية - عملياتية متجددة، تبدو من غير المنطقي مراهنة السعودية على أن الوقت كفيل بتبديلها.
هذه المراهنة يبدو أنها لا تزال هي نفسها حاكمة على جبهة الساحل الغربي، حيث تصر قيادة «التحالف» على الدفع بالميليشيات المقاتلة تحت لوائها نحو المناطق الداخلية لمحافظة الحديدة، رغم ما يلاقيه عناصرها هناك من عمليات استنزاف متصاعدة، خصوصاً على جبهة التحيتا. وهو إصرار لا يعبّر عن تعديل في خطة العمليات، بقدر ما يستبطن أملاً غير واقعي بحدوث تغير ميداني، يسنده - على ما أوحى به كلام السيد عبد الملك الحوثي أمس - الدور الموكل إلى نائب المبعوث الأممي، معين شريم، الذي قال الحوثي إنه «يتفاعل مع مطالب الإمارات وأطماعها». وفي انتظار ما ستسفر عنه جهود المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، الذي «نقل إلينا مبادرة تتعلق بميناء الحديدة، من حيث نقل الرقابة المباشرة إليه، ومن حيث مسألة الإيرادات، وتفاعلنا بإيجابية» كما قال الحوثي، يظل الموقف هو نفسه: رفض لمطلب الانسحاب من مدينة الحديدة ومينائها، وترحيب بدور رقابي ولوجستي للأمم المتحدة في الميناء بشرط وقف التصعيد وصرف المرتبات. موقف صاحبه التشديد على ضرورة أن يسبق أيَ حديث عن نزع السلاح «تشكل حكومة شراكة تقع عليها المسؤولية في معالجة الموضوع مع كل الأطراف (التي تملك السلاح)، وفي ظل وضع يتأكد فيه وقف الاستهداف والعدوان»، بحسب ما جاء في كلام قائد «أنصار الله».
على خط موازٍ، وفي ظل اشتعال الحرب الكلامية بين ميليشيا «الحزام الأمني» التابعة لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» الموالي للإمارات، ونجل شقيق الرئيس السابق طارق محمد عبد الله صالح، تعالت أصوات الشخصيات والكيانات المعارِضة لأبو ظبي، والمطالبة برفع يدها عن مدينة عدن خصوصاً وجنوب اليمن عموماً. وحضّ «رئيس المجلس الثوري الأعلى لتحرير الجنوب»، حسن باعوم، «أبناء عدن وحضرموت على الاقتداء بإخوانهم في المهرة، الذين... وضعوا حداً لصلف الاحتلال الأجنبي ومحاولة تدخله في شؤونهم»، فيما حمّلت حركة «تاج الجنوب العربي» «التحالف وحكومة الشرعية المسؤولية عن وصول الأوضاع (في الجنوب) إلى هذه الدرجة من المأساوية»، مشيرة إلى «(أنهم) حوّلوا عدن إلى معسكرات خلفية للغزاة، وأدخلوا الجنوب في نفق مظلم»، مضيفة في بيان أن «عدن تحولت إلى مسلخ كبير لسكانها».