هل يخرج التجار والمزارعون والصناعيون بتحرك يطالبون فيه رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري وقيادات البلاد، بمساعدتهم على تسهيل تجارتهم وتوفير الأكلاف وتنشيط صادرات لبنان إلى العالم العربي؟

القصة تتعلق بالتطورات المتصلة بعاملين على علاقة بتطورات الوضع في سوريا. الأول، يتصل بالمعابر البرية مع الدول العربية، والثاني، بفَسح المجال أمام تسهيل العودة الطوعية لمليون سوري من النازحين إلى الأماكن الآمنة في بلادهم في أسرع وقت ممكن.
في معلومات «الأخبار»، أن الحريري ناقش الأمر مع رئيس الجمهورية ميشال عون قبيل الانتخابات النيابية الأخيرة، ووعد بأنه سيدعم تعديل موقف الحكومة من مسألة التنسيق مع سوريا بعد السابع من أيار. لكنه لم يعدل في موقفه حتى الآن، وهو يتذرع بأن الحكومة لم تتشكل بعد.
والملاحظ أن الحريري، كما جهات أخرى، من «القوات اللبنانية» إلى النائب وليد جنبلاط محلياً، إلى مرجعيات عربية ودولية، يضغطون على الرئيس عون من أجل عدم الإقدام على فتح قنوات تواصل مع الحكومة السورية بصورة رسمية وواسعة. حتى ظهر أخيراً، أن دولاً مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا، إضافة إلى السعودية ومنظمات دولية، تمارس ضغوطاً لمنع حصول أي تعديل في طبيعة العلاقة الرسمية الراهنة بين لبنان وسوريا.
في مقابل هذا الجمود، حرص عون على إبقاء قناة التواصل مع دمشق من خلال المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم. وكما نشرت «الأخبار»، أمس، فإن رئيس الجمهورية متسمك بهذه القناة للحوار الثنائي، وإن لم يعتمدها بصورة رسمية بعد. لكن حزب الله قرر عدم انتظار الحكومة اللبنانية، وبادر إلى إعلان موقف عملي جعله ينخرط في عملية كبيرة بدأت، وهي مستمرة لتأمين عودة غالبية النازحين السوريين إلى ديارهم، وذلك من خلال توفير تسهيلات للنازحين أو معالجة ملفاتهم العالقة مع الحكومة السورية.
في هذه الأثناء، كان اللواء إبراهيم يعمل على توفير ترتيبات تقضي بعودة من يرغب من النازحين، وتوافق لهذه الغاية مع مراجع سورية على آلية تفرض إعداد لبنان لوائح اسمية بالراغبين في العودة، تُرسَلُ إلى دمشق التي تقوم بتفحصها قانونياً، وتقديم الإجابات المناسبة إلى الأمن العام اللبناني، ومن ثم يجري إبلاغ المنظمات الدولية التي تحضر إلى نقاط العبور، وتسأل العائدين عمّا إذا كانت عودتهم طوعية أو بالإكراه. وهو ما يحصل حتى الآن، وما سيستمر، حيث تبلّغ الأمن العام من اللجان الناشطة بين النازحين السوريين أن هناك لوائح تشمل ثلاثة آلاف نازح سوري، بينهم ألف من الفلسطينيين المقيمين في سوريا يريدون العودة، وسيصار إلى تنظيم عودتهم الطوعية إلى دمشق خلال الأسبوع المقبل، بالتنسيق مع الحكومة السورية ومع السفارة الفلسطينية في بيروت.

تدخل نصر الله مع القيادة السورية، أفضى إلى قرار سوري بالاستعداد «لاستقبال كل النازحين السوريين في لبنان»


غير أن الحكومة السورية قررت وقف العملية، بشكل مفاجئ، وفق ما تردد في العاصمة اللبنانية، بانتظار إعلان لبنان رسمياً إطلاق عملية التنسيق والحوار مع دمشق، بصورة علنية. لكن تدخلات قام بها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله مع القيادة السورية، جعلت اللواء إبراهيم يتبلغ قراراً سورياً رفيع المستوى، بأن دمشق مستعدة لاستقبال كل النازحين السوريين في لبنان اليوم. وقالت المصادر السورية إنّ اللواء إبراهيم أُبلغَ بأن دمشق تنتظر عودة كل النازحين، وهي تريد عودتهم اليوم قبل الغد، وستقوم بكل الإجراءات الكفيلة بضمان العودة الآمنة والمحترمة إلى منازلهم وتحريرهم من بعض عمليات الاستغلال والإذلال التي يتعرضون لها.
وعلمت «الأخبار» أن القيادة السورية قررت منح كل العائدين السوريين الفرصة الزمنية الكافية لترتيب أمورهم القانونية كافة، مع تسهيلات كبيرة في إعادة ترميم مساكنهم واحتواء من يرغب منهم ضمن أقسام الشرطة المحلية. وقد تبين أنه من أصل نحو خمسة آلاف سوري عادوا إفرادياً أو من خلال الأمن العام، لم يحصل أن تعرض أي من العائدين لتحقيقات أو لاعتقالات أو خلافه، كما كان يهوّل الرافضون للخطوة.
ومع أن ممثلي الجهات الدولية حاولوا عرقلة العملية، إلا أن الوقاحة وصلت بأحدهم إلى حدّ السؤال عن صلاحية حزب الله في إعلان برنامج لإعادة النازحين السوريين. وعندما سئل المسؤول الدولي عن سرّ احتجاجه، قال إن الأمور يجب أن تكون عبر الدولة اللبنانية، وليس عبر حزب معين، فقيل له: لماذا لا تبادرون إذاً إلى حثّ الحكومة اللبنانية على القيام بهذه الخطوة بدل أن تقوم بها جهات سياسية. لاحقاً، أُبلِغ المسؤول الدولي نفسه أنه إلى جانب حزب الله، سيباشر التيار الوطني الحر والحزب السوري القومي الاجتماعي بتنظيم برامج عمل تصبّ في خدمة الهدف نفسه، وأن النازحين بادروا من تلقاء أنفسهم إلى تشكيل لجان تتولى الاتصال بهذه القوى لأجل ترتيب العودة. ومن المتوقع أن يصار في وقت قريب إلى عودة عدد غير قليل من أبناء الجنوب السوري بعد تحريره من المجموعات الإرهابية المسلحة.

المعابر والصادرات
أما بشان البند الآخر المتعلق بالمعابر الحدودية مع الأردن والعراق، فقد علمت «الأخبار» أن دمشق لا تفكر في فتح المعابر قريباً مع العراق والأردن، وأن الخطوة إن حصلت ستكون محدودة جداً ومحصورة بالتجار السوريين، وأنه لا يمكن الصادرات اللبنانية العبور إلى الدول العربية عبر سوريا إلا بعد اتفاق رسمي يحصل بين الحكومتين اللبنانية والسورية. ونقلت مصادر سورية عن مرجع كبير في دمشق أن سوريا لن تقدم خدمات مجانية لأحد بعد اليوم، وأن الحكومة اللبنانية والقوى السياسية اللبنانية والسلطات اللبنانية كافة، من الرئاسات إلى الوزارات إلى الجهات الأخرى، يتحملون المسؤولية الكاملة عن أي أضرار تصيب المزارعين والتجار في لبنان، وقال المرجع إن صادرات دمشق الحالية محصورة جداً في هذه الفترات، وبالتالي إذا كان لبنان أو غيره من الدول العربية يحتاجون هذه المعابر، «فليجدوا الطريقة الأنسب للتواصل مع الحكومة السورية».

الملف الحكومي: جمود
ليسَ أدلّ على جمود ملف تأليف الحكومة العتيدة، إلا اللغة السلبية التي تكاد تشكل قاسماً مشتركاً بين مختلف المكونات السياسية حينَ سؤالها عن مصير المشاورات السياسية. اختلفت القوى في ما بينها على الصلاحيات والأوزان والحصص والحقائب، وتقاطعت في اليومين الأخيرين في جملة واحدة: «كل شي مجمّد حكومياً».
برغم ذلك، قرر الرئيس المكلف سعد الحريري الانتقال من مرحلة التفاؤل بقرب التأليف إلى مرحلة «تفاءلوا بالخير تجدوه»، وفق ما نقل عنه، أمس، المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان، الذي شدد على أنه تعود للحريري وحده مهمة التشكيل بالتشاور مع رئيسَي الجمهورية ومجلس النواب.
وفيما سينتقل الحريري في إجازة عائلية جديدة (بين مدريد ولندن) ويتخللها لقاء عمل رسمي، نقل زوار رئيس مجلس النواب نبيه برّي عنه قوله خلال لقاء الأربعاء النيابي، أمس، أنه «حتى الآن، لم يطرأ أي تغيير أو جديد على موضوع الحكومة. منذ شهرين ننتظر ولم يحصل أي تقدم». وقد شدّد بري على أننا «أحوج ما نكون لوجود حكومة فاعلة لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية ولإخراج البلد من الجمود والمراوحة».

اهتمام سعودي بالمشنوق
من جهة ثانية، وفي أول زيارة رسمية له إلى السعودية منذ عام 2014، التقى وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال نهاد المشنوق، نظيره السعودي عبد العزيز بن سعود بن نايف، في قصره الصيفي في جدة. وبعد جلسة مشتركة بين الوفدين السعودي واللبناني، عقدت خلوة استمرت ساعة بين الوزيرين المشنوق وعبد العزيز، «تناولا خلالها العلاقات السعودية ــــ اللبنانية والتطورات السياسية في لبنان والمنطقة».
وأكد المسؤول السعودي للمشنوق «حرص المملكة على الاستقرار في لبنان ومواجهة التمدد الإيراني في العالم العربي وأفريقيا». كذلك تناول انعقاد المجلس اللبناني ــــ السعودي «في أقرب وقت بعد تشكيل الحكومة في لبنان».
وأبلغ الأمير عبد العزيز ضيفه اللبناني «تحيات خادم الحرمين الشريفين وولي عهده». ثم أقام مأدبة غداء على شرفه حضرها عدد من كبار المسؤولين الأمنيين السعوديين والوفد اللبناني المرافق.
المشنوق الذي عاد، مساء أمس، إلى بيروت بعد أدائه مناسك العمرة، اجتمع طويلاً في الرياض برئيس جهاز الاستخبارات السعودي الفريق أول خالد حميدان، وعقد اجتماعاً طويلاً مع رئيس الجهاز وعضو المجلس السياسي والاقتصادي، الفريق أول عبد العزيز الهويريني. وأكد المسؤول السعودي، خلال الخلوة، «حرص القيادة السعودية على استقرار لبنان السياسي والاقتصادي وانفتاح السعودية على كل الطوائف اللبنانية، بما يخدم وحدة الموقف اللبناني وعروبة لبنان»، مشدداً على أن قيادته تحرص على «نجاح الرئيس سعد الحريري في مهمته بتشكيل الحكومة اللبنانية تأكيداً لهذا الاستقرار».