قد يكون الرئيس امين الجميّل وسلفه الرئيس الراحل الياس سركيس وحدهما من سائر الرؤساء الذين سبقوهما أو خلفوهما، لم يتمكنا سوى من تأليف ثلاث حكومات في ولايتيهما، في سنيّ الحرب الأهلية. الا ان التجربة التي يحتفظ بها الرئيس السابق من عهده ــــ رغم ان البلاد اضحت الآن في ظل دستور أُدخلت عليه تعديلات جوهرية ــــ تجعله متيقناً من ان الطريق مفتوحة امام رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري كي يشكلا الحكومة الجديدة، ما داما صاحبي توقيع مرسومها.


حصة رئيس الجمهورية ليست جزءاً من حصة حزب، وليس هو جزءاً من حزب، بل الضامن الفعلي للمصلحة الوطنية(هيثم الموسوي)

كانت الآلية الدستورية نفسها تقريباً قبل اتفاق الطائف، في الممارسة لا في النص. منذ الرئيس اميل اده عام 1936، لم تبصر حكومة النور بلا مشاورات مسبقة، وإن غير ملزمة. ما خلا حالات نادرة ارتبطت بظروف استثنائية، لم يؤلف رئيس للجمهورية حكومة من دون التشاور مع مرشحه لرئاسة الحكومة، ولم تكن آنذاك ثمة استشارات ملزمة مقيّدة له بتسمية الرئيس المكلف كما منذ اتفاق الطائف. مع ذلك كان الرئيسان ــــ وهما يملكان وحدهما الصلاحية الدستورية نصاً وممارسة قبل اتفاق الطائف وبعده ــــ المعنيين باستحقاق التأليف.
في ضوء مراقبته تعثر التأليف، يقول الجميّل: «نتبع الآن سياسة النعامة بدفن رؤوسنا في الرمال. لا أحد يريد الإقرار بتداخل البعد الخارجي بالبعد الداخلي، وتشابك المصالح الاستراتيجية بتلك المحلية الضيقة. رغم صغره، يظل لبنان محوراً اساسياً في المنطقة، يتأثر بالنزاعات ولعبة المحاور الاقليمية المرشحة لمزيد من التطورات والتقلبات في الاشهر المقبلة، ليس أقلها ما بين السعودية وإيران. ثمة مَن يريد على الدوام ان يكون له موطئ قدم في هذا البلد. اضف تأثير العوامل الداخلية التي تتركز على عنصرين: السيطرة على الاكثرية في مجلس الوزراء للتحكم بالتصويت عند الحاجة، والحصول على الثلث المعطل لاسقاط الحكومة ما دام ليس في الامكان اطاحتها كيفما كان، فضلاً عن طموحات حزبية تحمل كل طرف على التصرّف كأن يكون الاكثر تأثيراً من الداخل. العامل الداخلي يغذي نفسه بنفسه، ويستقوي بالعامل الخارجي الذي يغطي بدوره تدخله لدى العامل الداخلي. هكذا تدور الدائرة على نفسها، فيتعثر تأليف الحكومة، وقد تحوّل الى شبه بازار».
يعزو الجميّل جانباً من الاخفاق الى رئيس الجمهورية الذي لا يضطلع، في رأيه، بـ «دور محايد بحيث يعطي لقيصر ما لقيصر ولله ما لله، فيحوز كل من الافرقاء الحصة المنطقية. الرئيس عون ليس محايداً في التأليف، وهذا واضح من خلال عدم التمييز بين حصته وحصة حزبه. كنت افضل ان يكون فوق الصراعات المحلية، غير محسوب على فريق. عندئذ تصبح حصته ضماناً اساسياً للتوازن الوطني، وفي مجلس الوزراء. الامر الذي لا نعثر عليه في مشاورات التأليف الآن. حصة الرئيس غير حزبية، وليست جزءاً من حصة حزب، ولا هو جزء من حزب، بل الضامن الفعلي للمصلحة الوطنية المستقلة عما يتطلبه الافرقاء الآخرون».
يقود ذلك الجميل الى القول إن الخروج من المأزق «يقتضي استعادة رئيس الجمهورية والرئيس المكلف صلاحيات التأليف من الافرقاء الذين وضعوا ايديهم وشروطهم عليها، على نحو ما هو ظاهر من خلال التسابق على الحصص. كما لو ان مجلس الوزراء قطعة جبن برسم الافواه. عندما يتعذّر التوافق مع الافرقاء، ليس امامهما ــــ عملاً بصلاحياتهما الدستورية ــــ سوى الاقدام على تأليف الحكومة تأخذ في الاعتبار معايير محددة للتوزير، يعتقدان انها تلائم المصلحة الوطنية، ويذهبان بها الى مجلس النواب. اذا حتّم ذلك تأليف حكومة امر واقع من جراء تعذر الاتفاق على حكومة وحدة وطنية، فلا بأس. المطلوب الآن انتشال الوضع من المأزق والفراغ، وعدم الانجرار وراء اهدار الوقت كما في حكومات السنوات الاخيرة. يبدو المطلوب من الرئيسين عون والحريري ان يكونا المستبد العادل في تأليف الحكومة».
يستعيد الرئيس السابق للجمهورية تجربته في الحكومات الثلاث في عهده ما بين عامي 1982 و1988، وكلها كانت حكومات امر واقع. كل منها لاسباب مختلفة. اراد الاولى «حكومة وحدة وطنية تجمع الافرقاء جميعاً وتكون مساحة حوار في مواجهة الاحتلالين الاسرائيلي والسوري». فاتح الرئيس صائب سلام فيها آنذاك. على ان تعذّر التوافق عليها «في مرحلة لم تكن قد نضجت المصالحة الوطنية تماماً، حملني على تأليف حكومة امر واقع خشية ان يتسبّب الانقسام في شلها وتعطيلها ووضع البلاد على طريق الفراغ. حكومة الامر الواقع الاولى من خارج مجلس النواب رئيساً واعضاءً، تحمّلت والرئيس شفيق الوزان مسؤوليتها، وضمت شخصيات مثلت رأس الهرم في نقابات مهمة، كروجيه شيخاني وعصام خوري اللذين ترأسا نقابة المحامين وبهاء الدين البساط نقيب المهندسين وبيار خوري احد كبار مهندسينا، وايلي سالم من الجامعة الاميركية، والباقون كعدنان مروة وابراهيم حلاوي وعادل حمية من ذوي الكفايات العالية، ما اتاح للحكومة الحصول على صلاحيات اشتراعية واصدار 160 مرسوماً اشتراعياً لا يزال معظمها نافذاً الى الآن، والبعض منها صار الى تعديله».
على عون والحريري أن يكونا المستبد العادل في التأليف


يضيف: «الحكومة الثانية عام 1984 ايضاً كانت حكومة امر واقع. طلب السوريون ان تكون موسعة كي يوزّر فيها اكبر عدد ممكن من حلفائهم من اجل تسديد فواتيرهم معهم، الا انني والرئيس رشيد كرامي فضّلناها مصغرة من عشرة وزراء فقط. مع اننا كنا في مرحلة جديدة ايجابية في العلاقة والتعاون مع سوريا، اختلف موقفانا منها. الشاهد على ذلك حينذاك العميد سامي الخطيب قائد قوة الردع العربية حينما كلفته اقناع دمشق بالموافقة على حكومة العشرة وفق اتفاقي مع الرئيس كرامي، وتسهيل تأليفها في حقبة لم يكن التأثير السوري في لبنان قليل الاهمية وضعيفاً، رغم انكفاء الجيش السوري الى الشمال والبقاع. كنت متفاهماً عليها مع الرئيس كرامي المعروف عنه في الاصل تحبيذه الحكومات المصغرة، المنتجة اكثر منها الفضفاضة الكثيرة الاهدار للوقت في السجالات. ادركت ان تأليف حكومة في حقبة ما بعد مؤتمري حوار جنيف ولوزان يوجب ان يكون في عدادها نبيه برّي ووليد جنبلاط، وتضم ايضاً اقطاباً ككميل شمعون وعادل عسيران وسليم الحص وبيار الجميّل. عملنا على تطعيمها بوزراء محايدين كجوزف سكاف وعبدالله الراسي وفيكتور قصير. لم تفرض علي ولا على الرئيس كرامي، وقد اوجبتها الظروف كي تكون حكومة تجمع الافرقاء جميعاً، لكنها حكومة امر واقع اخذت في الاعتبار تطورات المرحلة تلك. اما الحكومة الثالثة عام 1988، وهي الحكومة العسكرية (برئاسة ميشال عون)، حكومة امر واقع، فكانت ثمة ظروف استثنائية حتّمتها كذلك».