في سابقة من نوعها، استطاعت فرنسا في 29 أيار الماضي أن تجمع أغلب الفرقاء الليبيّين، حيث حضر «لقاء باريس 2» القائد العسكريّ للقوات التابعة لحكومة شرق البلاد خليفة حفتر، ورئيس البرلمان عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، إضافة إلى رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ فائز السراج. بدا الأمر حينها تقدماً نوعيّاً في مسار الحلّ السياسيّ، لكنّ الانطباع الذي جاءت به الصور سُرعان ما أزاحته رياح التصريحات والتطورات الميدانيّة.

تبيّن أنّ الغرماء الأساسيّين لم يتحادثوا مباشرة. ورغم موافقتهم على بنود الاتفاق، إلا أنّ أحداً منهم لم يوقّعه، كما لم يُمرر منذ ذلك الحين أيّ من البرلمان المتركز في مدينة البيضاء شرق البلاد ولا المجلس الأعلى للدولة المتركز في طرابلس نصّ الوثيقة للمصادقة عليه أو حتى مناقشته. علاوة على كلّ ذلك، بقي خليفة حفتر الشخصيّة الإشكاليّة الرئيسة في المشهد، حيث لم تتغيّر المواقف الحادة منه؛ بين اعتباره «بطلاً» في شرق البلاد، و«مجرم حرب» في غربها.

تصحيح المسار؟
قادماً من تونس، انطلق وزير أوروبا والشؤون الخارجيّة الفرنسي، جان إيف لودريان، في زيارته أمس من طرابلس، حيث التقى ووفداً مرافقاً له فائز السراج وأعضاء من حكومته، إضافة إلى لقائهم ممثلين عن القوات العسكريّة التابعة لحكومة الوفاق الوطنيّ. شمل النقاش إجراء الانتخابات في شهر كانون الأوّل، وقال لودريان في ندوة صحافيّة مع وزير الخارجيّة الليبيّ محمد سيالة إنّ بلاده ستضغط في سبيل مساعدة الليبيّين للذهاب في هذا الطريق. وجاء في بيان صادر عن المجلس الرئاسيّ، أنّ السراج قدّم للودريان «لمحة عن التداعيات السلبيّة لما حدث من تطورات في منطقة الهلال النفطيّ، وعن محاولات البعض للتنصّل من تفاهمات باريس».
ويشير هذا الكلام إلى محاولة حفتر، عقب استعادته السيطرة على المنشآت النفطيّة في وسط البلاد قبل حوالى شهر، نقل صلاحيات إدارة القطاع من «المؤسسة الوطنيّة للنفط» الموجودة في العاصمة إلى مؤسسة موازية في الشرق، ثمّ مساومته لتغيير رئيس «بنك ليبيا المركزيّ». ويرتبط هذان الملفان الاقتصاديّان باتفاق باريس، حيث شمل بنداً حول توحيد مؤسسات البلاد، وهو أمر ورد سابقاً في اتفاق الصخيرات السياسيّ (2015)، لكنّه تعطّل بسبب عدم التوصّل إلى تثبيت آلية واضحة يتمّ بموجبها تعيين شخصيات توافقيّة في المناصب الإداريّة الكبرى.

نقاش جهود توحيد المؤسسة العسكريّة لم يشهد تطوراً


من جهة أخرى، تعهّد الفرنسيّون خلال اللقاء مع الوفد العسكريّ بتفعيل برامج تدريب القوات الليبيّة التابعة لحكومة الوفاق وتجهيزها. ويبدو أنّ نقاش جهود توحيد المؤسسة العسكريّة لم يشهد تطوراً يذكر، حيث قال بيان المجلس الرئاسيّ إنّ الاجتماع خلص «إلى أنّ عمليّة التوحيد بمختلف تفاصيلها تحتاج إلى إرادة سياسيّة موحدة، وتعتمد على نجاح المسار السياسيّ». وتشهد اجتماعات توحيد الجيش التي ترعاها القاهرة توقفاً منذ أشهر، ويعتبر الخلاف حول شخصيّة حفتر العقبة الرئيسة أمامها، ففي حين لا يرى وفد سلطة شرق البلاد بديلاً منه لقيادة المؤسسة، تعارض جهات عسكريّة وسياسيّة من غرب البلاد الأمر.
والتقى لودريان أيضاً رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، وهو هيكل استشاريّ تأسس بموجب اتفاق الصخيرات. وقال المشري إنّ البلاد منقسمة بين فريقين، «أحدهما يؤمن بالمسار الديموقراطيّ ويدافع عنه، وآخر ضدّ هذا الخيار».
بعد طرابلس، انتقل لودريان إلى مصراتة، وهي ثانية أكبر مدن غرب ليبيا ومن بين أكثرها تأثيراً في المشهدين السياسيّ والعسكريّ. والتقى الوفد الفرنسيّ عميد البلديّة ونوابها المُقاطعين لأنشطة البرلمان. وفي حين أكد النائب محمد العريض مساندته للمبادرة الفرنسيّة، قال النائب فتحي باشاغا إنّ الاجتماع تناول أربعة مواضيع، هي: توحيد الجيش والانتخابات والإصلاح الاقتصاديّ والاستفتاء على الدستور. لكنّ أهمّ ما أعلنه باشاغا هو دعوة وفد من مصراتة إلى زيارة فرنسا، ويعتبر ذلك نوعاً من التعويض للمدينة على ما اعتبر اقصاءً لها من لقاء باريس.
المحطتان الأخيرتان للودريان كانتا في شرق البلاد، حيث التقى خليفة حفتر في مقر قيادته بالرجمة. ونشر مكتب الإعلام التابع لحفتر صوراً للقاء الذي قال إنّه خصّص «لبحث العديد من المستجدات على مختلف الأصعدة المحليّة والدوليّة» من دون تقديم تفاصيل أخرى. وهذه هي المرّة الأولى التي يلتقي فيها خليفة حفتر مسؤولاً أجنبيّاً رفيع المستوى منذ تلقي قراره بخصوص المنشآت النفطيّة إدانة دوليّة واسعة أدت إلى تراجعه عنه. واختتم لودريان الزيارة بلقاء مع رئيس البرلمان عقيلة صالح.

الشكوك باقية
رغم حفاوة الاستقبال للوفد الفرنسيّ، فإنّ الشكوك لا تزال محيطة ببنود اتفاق باريس، إذ إنّ تداعيات ما شهدته ليبيا في الشهرين الأخيرين لم تنته بعد، وهي مفتوحة على الأسوأ. وفي السياق، نشر أمس النائبان عن إقليم برقة (الشرق) في المجلس الرئاسيّ لحكومة الوفاق، علي القطراني وفتحي المجبري، بياناً وجّها فيه دعوة إلى «أعضاء مجلس النواب عن برقة والسادة مشايخ القبائل والحكماء والأعيان إلى اجتماع عاجل بمدينة بنغازي» وذلك من أجل «مناقشة التطورات الأخيرة في المشهد السياسيّ وانسحاب برقة من المجلس الرئاسيّ والاستحقاقات والمواقف الواجب اتخاذها، سواء على الصعيد الوطنيّ أو على صعيد إقليم برقة».
كذلك ظهر شريط فيديو للقطراني وهو يقول إنّ «إقليم برقة خارج الاتفاق السياسيّ». ويشهد إقليم الشرق منذ إطاحة نظام معمّر القذافي دعوات لإقامة نظام فيدراليّ، وتوجهات انفصاليّة تظهر وتتشدّد مع تفاقم الأزمات. لكن تحركات النائبين لم تكن معزولة، حيث تحدّث أمس المستشار الإعلاميّ لرئيس البرلمان، فتحي المريمي، عن أنّ الأخير يرى الحلّ في «دخول قوات الجيش (الذي يقوده حفتر) إلى طرابلس وتحريرها من الميليشيات التي تسيطر عليها».
أما من الجانب الدوليّ، فتبدو إيطاليا أكبر المشككين في الجهود الفرنسيّة، ولا يخلو الأمر بالتأكيد من مصالح ذاتيّة لكلا البلدين. يوم الأربعاء الماضي، قال وزير الداخليّة ونائب رئيس الوزراء الإيطاليّ ماتيو سالفيني، عقب زيارة للقاهرة، إنّ «مسار الاستقرار في ليبيا لا يجب أن يكون عبر قفزات سريعة وغير مدروسة، مثل تلك التي يسعى إليها الفرنسيّون بناءً على مصالحهم الوطنيّة فقط».