«أقِف على حافّة النهر وأنتظِر جثّة عدوّي». على ما يبدو لم تعُد الحِكمة الصينية التي استخدمها وليد جنبلاط قبلَ عدة أعوام تستَهويه. باتَ أكثر اقتناعاً بأنها إن «حبِلت في سوريا فلا بدّ لها أن تلِد في لبنان». لذا قرّر رفع لواء القتال للدفاع عن نفسه أولاً، عابراً فوق سياسة النأي بالنفس التي طالما نادى بها.

إذا كانت الوقائع الدموية غير المسبوقة على أرض السويداء السورية، لا يمكنها أن توحد طائفة الموحدين الدروز، فهل يجب أن ننتظر مجزرة أكثر دموية يرتكبها تنظيم داعش الإرهابي في أماكن جديدة؟ سؤال يطرحه أحد الحرصاء على «البيت الدرزي»، آخذاً على الجميع أنهم لطالما فوّتوا سابقاً وهم يفوِّتون اليوم فرصة كبيرة للوحدة.


ما جرى في السويداء أذهل وليد جنبلاط. ومن دون أن يدقق، سارع إلى توجيه أصابع الاتهام إلى الدولة السورية. طرحَ تساؤلات كثيرة عن كيفية وصول عناصر تنظيم داعش إلى محافظة السويداء، واستقرّ رأيه في البداية على الاكتفاء بوقفة تضامنية. لكنه سُرعان ما فاجأ الجميع، أمس، بإلقاء خطاب من أمام مقام الشيخ أحمد أمين الدين في عبيه، من شأنه تعزيز الشرخ الواضح بين أبناء الطائفة في لبنان.
نظرياً، كان من المفترض أن تكون وقفة «عبيه» مجرّد وقفة تضامنية مع السويداء، وأن يشارك فيها الجميع. لكن مسارعة جنبلاط لإطلاق النار على النظام السوري، أعادت إحياء الانقسام السياسي في الطائفة على عنوان كبير لا يستهان به. فوّت جنبلاط المناسبة. على هذا الأساس، صار لقاء عبيه على شاكلة الخطاب الجنبلاطي. أتى إليه حشد يتقدمه عدد من مشايخ الطائفة، وبحسب أحد الحاضرين، اكتشف عدد من رجال الدين أن ثمة من خَدَعَهم. مسيرات سيارة. مظاهر مسلّحة وإطلاق نار عشوائي كثيف. ولو أنها كلها «جاءت من خارج الإطار التنظيمي للحزب التقدمي الاشتراكي»، على حدّ تعبير أحد الحزبيين.
فالوقفة التي دُعيت إليها الهيئات الدرزية كافة على أساس أنها «تضامنية» وحسب، لم يُمرّرها جنبلاط دون تمرير رسائله. اتهم الرئيس السوري بشار الأسد بأنه «يريد تطويع أهل الجبل بالقوة»، وصوّب من جهة أخرى على الروس، قائلاً: «بقيَت هناك شعرة معاوية بيننا وبين روسيا، لكننا نريد من هذه العلاقة ضمان(ة) لأهل الجبل». وختم كلمته: «ليتني أملك السلاح لأتوجه معكم للقتال إلى جانبكم يا أبناء جبل العرب».
هذا الكلام الذي أتى على لسان جنبلاط ــــ وهو الذي عمل على تحييد دروز لبنان سابقاً عمّا يحصل في سوريا ــــ لا يُمكن أن يُفهم إلا بمثابة ضوء أخضر «لتسليح من يشاء من دروز لبنان وإرساله إلى سوريا للقتال»، يقول أحد المقربين من بعض المجموعات السلفية الدرزية في منطقة الشويفات، ويضيف: «كأن جنبلاط لا يعرف ثقل المهمّة التي يوشك أن يوكل الطائفة بها، وهو الذي مرّ بهذه التجربة من قبل، لبنانياً وذاق مراراتها»!
نعم، قصدَ جنبلاط بالرسالة التي وجهها، أمس، «جرّ الدروز إلى المعركة». هكذا تلخّص مشهدية عبيه مصادر الحزب التقدمي الاشتراكي. هو أراد القول للدروز: «الذين سبقوا وأن قبلوا بتسليم سلاحهم للنظام السوري وتجريدهم منها، واقتنعوا بأنه سيؤمن لهم الحماية بأنهم كانوا على خطأ». تتوقف المصادر عند الاجتماع الذي سبق أن عُقد قبل نحو شهر بين ضباط روس والنظام و«مشايخ الكرامة»، «وطلب إليهم تسليم سلاحهم أو الالتحاق بقوات النظام وإعادة الشباب إلى الخدمة العسكرية وإلا فسيُصنّفون في خانة الإرهابيين». النظام السوري «غدّار وقاتل ومرتكب جرائم» هي الكلمات الوحيدة التي يستخدمها «الاشتراكيون» في معرض توصيف ما حصل، وصولاً إلى التأكيد أمام دروز السويداء أن لا ملاذ آمناً لهم سوى «وليد بِيك». هكذا ببساطة، يريد جنبلاط أن يقول إنه وحده يستطيع أن يوفّر الحماية لهم من طريق صداقاته الدولية والعربية. أراد أن يشدَ عصب الطائفة حول البيت الجنبلاطي من جهة وفي مواجهة معارضيه من جهة أخرى. بذلك، يسعى إلى حفظ ماء وجهه للتاريخ، في ظلّ ما يُحكى عن عودة العلاقات بين لبنان وسوريا، على اعتبار أنه مناوئ للنظام السوري، وأن معركته الحقيقية «هي مع بشار الأسد لا مع وئام وهاب ولا مع طلال أرسلان».
وهاب لـ «الأخبار»: جنبلاط في حالة صدمة نتيجة التراجع الأميركي


في المقابل، أعرب رئيس حزب «التوحيد» الوزير السابق وئام وهاب، عن صدمته بخطاب «عبيه» السياسي، وقال لـ «الأخبار» إننا «دُعينا للمشاركة على أساس أنه لقاء تضامني مع السويداء، وكنا قد تبلغنا بأن لن تكون هناك خطابات سياسية، لكننا فوجئنا بكلمة وليد جنبلاط، التي نرى فيها أنها تعبِّر عن رأي سياسي غير سليم، أي الكلام عن النظام في سوريا وعن الروس». ورأى وهاب في ما قاله جنبلاط أنه «دفع للانقسام السياسي الذي لا نريده، لأن ما حصل يستدعي الوحدة بين الدروز لا الشرذمة. إذ يجب التفكير بوضع الطائفة وليس إطلاق مواقف سياسية عبثية لها مفاعيل ظرفية». بنظر وهاب «واقع الطائفة اليوم على المحك، لا يُمكن التعاطي معه بخفة، والأصوات التي ارتفعت لن تلقى آذاناً صاغية، لا إقليمياً ولا دولياً، ولا سيما بعد الاتفاق على إطلاق يد روسيا في سوريا». ورأى أن جنبلاط «هو اليوم بحالة صدمة، نتيجة التراجع الأميركي. مثله مثل الكثير من القوى المحلية التي كانت تُراهن على سقوط سوريا والرئيس الأسد».
بدوره، لن يخرج رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني النائب طلال أرسلان، في مجلس العزاء الذي سيقيمه الأحد في دارته في خلدة، عن مضمون موقفه الأول: «توجيه أصابع الاتهام إلى إسرائيل، في التوقيت والأدوات والنتائج... وحتى في الاستثمار»، كما يقول أحد المقربين من أرسلان، آخذاً على جنبلاط أنه لا يقيس مصالح الطائفة الدرزية إلا بذهنية فئوية ضيقة جداً «وإلا فما معنى هذا الخطاب في مواجهة حمام الدم الذي حصل في السويداء والذي يمكن أن يتكرر إذا بدأت معركة إدلب غداً؟».