المشهد يتكرّر: أماليا أبي صالح صانعة الضحكة تطوي آخر صفحات حياتها في «مستشفى بهمن» في ضاحية بيروت الجنوبية عن 68 عاماً. قبل أكثر من أسبوع، أدخلت الممثلة اللبنانية في حالة حرجة إلى الطوارئ، وقيل يومها إنّ ساعاتها معدودة، بعد إصابتها بالتهاب في الرئتين. وما لبث أن تحسن وضعها قليلاً، قبل أن تنتكس مجدداً وتفارق الحياة فجر أمس. كالعادة، تغسل الدولة يدها، والوزارات لم تتحرك أصلاً إلا بعد صرخات متتالية أطلقتها «الستّ بدور» على الشاشة وفي الصحف والمجلات قبل أكثر من ستة أشهر.


بطريقة دراماتيكية إذاً، انتهت مسيرة شريكة شوشو في المسرح الوطني، والمسلسل الكوميدي «المعلمة والأستاذ» (1981) لابراهيم مرعشلي وهند أبي اللمع وإحدى بطلات «الدنيا هيك».
كأن التاريخ يعيد نفسه. آخر الوجوه التي صنعت الذاكرة الفنية في هذا البلد، ترحل عنا في ظل تجاهل تام من الدولة التي لا تكرّم مبدعيها وفنانيها إلا بعد رحيلهم، ولا تلتفت إلى معاناة صناع مكتبتها الفنية في مراحل حياتهم الصعبة. هذا ما يثير السؤال عما يقدمه قانون تنظيم المهنة. يتكرّر الكلام نفسه في الصحافة، لكنّ المطالبات لا تلقى صدى عند أحد، وطبعاً لا تبدو النقابة معنية بالأمر، صار أعضاؤها يحصلون على مناصب فخرية، ويعاد انتخاب بعضهم أحياناً من دون أن يغيروا شيئاً من واقع الفنان.
أم الصبيان الثلاثة مهندس الديكور وليد، والصحافي ربيع، وموظف شركة المقاولات زياد من زوجها محمد دمج الذي كان يعمل في تجهيز مسرحيات شوشو، والأم بالتبني لجسيكا، هي الابنة الوحيدة في عائلة والديها ميشال وفيكتوريا من منطقة ضهور الشوير. عاشت طفولة سعيدة في الأشرفية. رغم أنّ والديها تطلّقا وتزوج كلّ منهما بآخر، إلا أنّ «البنت الدلوعة» ظلت تمارس هوايتها الأثيرة في «العربشة على الأشجار مع الصبيان في مدرسة «زهرة الإحسان»» كما قالت لنا في مقابلة أجريناها معها قبل ثلاث سنوات (الأخبار 24/5/2011). جمعتها مقاعد الدراسة بالرحلة هند أبي اللمع، وستجمعهما لاحقاً السنوات الذهبية لـ «تلفزيون لبنان». ومع انتقال والدها الذي كان موظفاً في شركة النقل البحري إلى اللاذقية عام 1955، اصطحب معه زوجته الجديدة وأماليا. هناك، التحقت بمدرسة «العائلة المقدسة» في بانياس، حيث عملت على تحسين لغتها العربية، لكنها لم تتخلّ عن دلعها و«الشقاوة» التي أدّت إلى رسوبها ثلاث مرات متتالية في الشهادة المتوسطة، قبل أن تدرس الإيطالية على أمل السفر إلى روما. وبالفعل، انتقلت عام 1961 إلى مدرسة للراهبات في بريشيا إحدى ضواحي ميلانو. اختبرت الصبية حياة جديدة هناك، وافتُتن برقصها للـ «روك أند رول» أحد أصحاب الفرق الفنية الجوالة الإيطاليين، فحملها معه كي تقدم عروضاً ترفيهية لجنود القواعد العسكرية الأميركية في القارة الأوروبية. حلت أماليا ــ بموافقة والدها المنفتح ـــ بديلةً لزوجة صاحب الفرقة بعدما أعياها المرض. وفي إجازاتها التي كانت تمضيها في بيروت، كان واسطتها لدخول «تلفزيون لبنان» المخرج الراحل كاري كرابتيان. في التلفزيون الوطني، بدأت العمل عام 1964 مع مجموعة من صنّاع تاريخ التلفزيون والمسرح الهزلي في لبنان. كان المقلب الذي صنعه كرابتيان بصديقه أبو سليم الطبل (صلاح تيزاني) فرصة أماليا كي تتحوّل إلى ممثلة كوميدية مطلوبة، فانضمت إلى «نادي الهواة» في دور فتاة إيطالية لا تجيد العربية. ولأن الجمهور اللبناني أحبها، شاركت ثلاث مرات في البرنامج. وأخيراً، ابتسم لها الحظ عندما أعجب بفنّها الممثل الراحل ابراهيم مرعشلي، لكنه كان يعتقد للوهلة الأولى أنها إيطالية. شاركت في برنامج «حكمت المحكمة» (1965)، ثم قدمت سلسلة مسرحيات في الستينيات والسبعينيات مع الراحل حسن علاء الدين (شوشو)، منها «أستاذ شوشو» و«فرقت نمرة»، إلى «كافيار وعدس»، و«الدنيا دولاب» مع النجمة الاستعراضية نيللي، وأخيراً «آخ يا بلدنا». كما سجلت أكثر من مشاركة في السينما منها فيلم «زمان يا حب» (1973) مع فريد الأطرش، و«زوجتي من الهيبيز» (1973) مع دريد لحام، لكن الممثلة الظريفة لم تستهوها السينما لأنّها لم تقدّم لها الأدوار التي رغبت بها، كما شاركت مع شوشو في مسرح الطفل الذي خرجت منه أغنيتها الشهيرة «ألف بي بوباية».
في عز الحرب الأهلية في السبعينيات ووفاة شوشو عام 1975، ظنّت أماليا أن الحظ لن يبتسم لها مجدداً، وأن الجمهور سينساها، خصوصاً أنها كانت تربي أكبر أبنائها وليد. وعندما عرض عليها «بوب» المشاركة في «المعلمة والأستاذ» رحّبت بالفكرة، خصوصاً أنّ ابراهيم مرعشلي جمعها بصديقتها القديمة هند أبي اللمع والراحلة ليلى كرم وشفيق حسن وجان خضير، وكان من إخراج الراحل أنطوان ريمي، فرسخ هذا العمل الكوميدي في ذهن الأجيال. ومن آخر أدوارها المسرحية «10452» (عام ٢٠٠٤) مع الأب فادي تابت، لكن نجمة الكوميديا علقت في أدوارها التلفزيونية كمسلسل «الدنيا هيك»، ولم تعد إطلالاتها اللاحقة ترضيها رغم أن الجمهور ظل يستقبلها بحفاوة في كل مرة تظهر فيها على الخشبة.
أمس، ودعتها في «جامع الخاشقجي» في بيروت، مجموعة من الزملاء الذين رافقوها خلال مسيرتها أو شاركوها بعض أعمالها، منهم نقيب ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون جان قسيس، والقدير صلاح تيزاني (أبو سليم)، أحمد الزين (ابن البلد)، ختام اللحام، خالد السيد، عدي رعد، سعد حمدان، فؤاد حسن وغيرهم. ومن الجهات الرسمية، حضر ممثل عن المدير العام السابق في قوى الأمن الداخلي أشرف ريفي، ووزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال غابي ليون. رويداً رويداً، تنسحب وجوه صنعت العصر الذهبي للبنان بأداء فطري وحضور محبّب، آخذةً معها زمن البراءة الذي لن يعود حتماً، لكنّه لن يجد أيضاً مَن يحفظ ذكراه في دولة الإهمال والذاكرة المثقوبة.

http://www.al-akhbar.com/node/13172




تقبل التعازي اليوم السبت والأحد بين الرابعة والسادسة بعد الظهر، في قاعة «شهاب غاردن» في ساحة الوردية، الحمراء ـــ هاتف 366808/01