فجر أمس، أغمضت أماليا أبي صالح عينيها بهدوء في «مستشفى بهمن» في ضاحية بيروت الجنوبية، فودّعت محبيها بعد عناء طويل مع المرض، وصلّى على جثمانها في «جامع الخاشقجي» في بيروت قبل أن توارى في ثرى مقبرة «الحرش». على مداخل المقبرة المقابلة للجامع، خيّم سكون مطبق. وحده قبر الممثلة يُنادي الناظر إليه من بعيد، فالورود نثرت عليه عشوائياً. كان من المتوقع أن يحضر الوداع لفيف من الفنانين، لكن للأسف تذرع البعض بأعمالهم، بينما اتخذ البعض الآخر من مواقع التواصل الاجتماعي مساحة للتعبير عن حزنه لفراقها. كانت مراسم دفن نجمة «المعلمة والأستاذ» سريعةً لا تليق بمسيرتها الحافلة. عدد قليل من رفاق الدرب حضروا ليلقوا التحية الأخيرة عليها، منهم صلاح تيزاني (أبو سليم)، ونقيب «ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون» جان قسيس، وختام لحّام، وأحمد الزين، وخالد السيد. وكما جرت العادة مع رحيل أيّ فنان، تبعث النقابة رسالة نصيّة إلى الممثلين تبلغهم الحدث السيّئ وتذكّر بموعد الدفن وتاريخ تقبّل التعازي، إلا أن الوجوه التي حضرت لوداع «الست بدور» لم تتخطّ عدد أصابع اليدين.


لم يعد ذلك التقصير أمراً مُفاجئاً، بل أصبح المفاجئ هو مشاركة أيّ فنان جديد في العزاء. ذكّر غياب أماليا بالفنانين الكبار الذين رحلوا بهدوء، وأعاد إلى الأذهان وفاة الممثلين جوزيف جبرايل وغطاس ضو اللذين فارقا الحياة قبل أشهر بصمت.
لم يمرّ وداع صاحبة الوجه الضاحك على خير. تلك المناسبة عكّرها اعتراض بعض القائمين على المقبرة على دفن الراحلة في «الحرش» بسبب اختلاف ديانتها عن ديانة زوجها. أما الحجة الثانية التي أدّت إلى تأخير الدفن، فهي أنه يجب تأمين سعر القبر قبل دفنها. بادر «أبو سليم» إلى الاتصال بمفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني وطلب منه تأمين مدفن، وبالفعل لبّى قباني الطلب سريعاً. يصف جان قسيس في حديث إلى «الأخبار» وداع الراحلة بأنّه «لم يكن يليق بها أبداً. للأسف، الفنانون اللبنانيون يرحلون بصمت، ولا أحد يشعر بهم». ويضيف «عند رحيل أيّ زميل لنا، يجب أن نحشد لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، ولا نتحجّج بالعمل». لا يتردد قسيس في توجيه انتقاد لاذع لبعض الممثلين الجدد، قائلاً «أولئك الممثلون هم طارئون على الوسط الفني»، داعياً «الفنانين الكبار إلى تشكيل مافيا للمّ بعضهم شمل بعض». بدوره، يتحدّث الممثل القدير صلاح تيزاني (1929) عن علاقته بالراحلة بصوت خافت، مشيراً إلى أنّه «تعرّفت إليها مصادفة في عام 1962، وبعد فترة اخترتها للعب دور «الستّ بدور» في مسلسل «الدنيا هيك»، وشكّلت ثنائية بارزة إلى جانب الممثل الراحل محمود مبسوط (فهمان)». يشرح الممثل الكوميدي «لقد أطلقت عليها اسم «بدور» لأن وجهها كان جميلاً أشبه بالبدر المنوّر». في المقابل، لم يتمكّن الممثل ميشال تابت من حضور دفن زميلته، فهما عملا سابقاً في «المعلمة والأستاذ»، لكن وضعه الصحي الصعب منعه من وداعها. يقول تابت «أعاني من مشكلات عدّة في الكلى، والأطباء منعوني من الاختلاط مع الناس كي لا ألتقط أي فيروس فتسوء حالتي». أما الممثلة ميراي بانوسيان، فتشير إلى أنها جسدت دور الراحلة في النسخة الثانية من مسرحية «آخ يا بلدنا» لخضر علاء الدين. وتقول «شاءت الظروف أن ترحل أماليا في يوم عيد ميلادي، وهذا الأمر أحزنني لأني وعدتها بأنني سأزورها قريباً».
بدوره، يعبّر بيار جماجيان عن انزعاجه لعدم حضوره عزاء الراحلة، قائلاً «كنت مشغولاً بالتصوير، كما أن رسالة النقابة وصلتني متأخرة. لذلك لم أتمكّن من وداعها». يعود الممثل إلى الوراء ويتذكّر الراحلة «كانت عفوية وطيبة، أتأسّف أن ترحل في زمن لا تعرف فيه قيمة الممثلين القدامى». يشير جماجيان إلى أنه عمل مع أماليا في مسلسل «المعلمة والأستاذ»، إضافة إلى مسرحية أخرى، لكنه بقي على اتصال دائم معها حتى الأيام الأخيرة من حياتها. يحمل الممثل عتباً كبيراً على وزارة الثقافة التي يجب أن تضع على لائحة أولوياتها الاهتمام بالفنانين وتقديم الرعاية لهم.


يمكنكم متابعة زكية ديراني عبر تويتر | @zakiaDirani