ليس أمراً إيجابياً أن يضرب العهد مواعيد لتشكيل الحكومة. فأن يحدد موعد الأول من آب للتأليف ولا يتحقق ذلك، إشارة سلبية تضاف إلى مؤشرات أخرى تحول دون تأليف الحكومة.

المعطيات الأخيرة لا توحي بقرب التأليف، لا بل ثمة خلاصات تحددها أوساط سياسية رفيعة بالآتي: لا السعودية تتدخل لحل الأزمة، ولا إيران تبادر، وهي أصلاً منشغلة بملف سوريا وبموعد الرابع من تشرين الثاني المتعلق بإعادة فرض عقوبات أميركية عليها. وفي الداخل، الأطراف المحليون واثقون أن لا حكومة في المدى المنظور، وقد برزت في الساعات الماضية المعلومات الآتية:
أسفرت اللقاءات الأخيرة، عن تعميق التفاهم بين الرئيس سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع. يتعدى هذا التفاهم الشكليات، إذ بات الثلاثة على ثقة بأن كل واحد منهم يساند الآخر ويساهم في تثبيت موقفه. يتمسك الحريري بالقوات منعاً لمنعه من التأليف. ويتمسك جنبلاط بالقوات وبالحريري، فتتعزز مطالبته بحصة درزية صافية، وبذلك لا يتراجع الحريري تحت وطأة الضغوط والمساومات. تتمسك القوات بموقفها وتنسيقها مع حليفيها. ترجم هذا التفاهم الثلاثي بكلام واضح عن ضرورة التمسك بالسقف الذي وضعه كل واحد منهم وبالتالي لن يتراجع عنه، وشمل التفاهم الدخول سويا إلى الحكومة تحت هذا العنوان وحده. السؤال ماذا لو قرر الثلاثة الخروج من الحكومة، تحت شعار إما أن ندخل معاً أو نخرج معاً؟.
كان الحريري واضحاً حين نقل إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عدم التراجع عن تأييده مطالب القوات وجنبلاط، لا سيما أن الثلاثة يحظون بدعم من الرئيس نبيه بري، فهو «متعاطف مع طروحات الثلاثة المنطقية والعقلانية والطبيعية»، ولا يمانع بحسب ما أبلغ الوزير ملحم الرياشي في إعطاء القوات حقيبة سيادية، فضلاً عن تأييده مئة في المئة مطالب جنبلاط. فما جمعته سنوات الحرب والاتفاقات بينهما لن تمحيه حكومة العهد الذي لا يجمعه معه ود شخصي أو نضال مشترك.
أبلغت القوات اللبنانية، وستبلغ كل يوم، من يعنيهم الأمر، موقفاً واضحاً لا تراجع ولا مساومة عليه، بالحصول على حقيبة سيادية أو بالحد الأدنى نائب رئيس حكومة مع حقيبة، أي كما هي الحال اليوم. وأبلغ جعجع معاونه الرياشي وكان متشدداً في قراره، بوقف التفاوض إذا لم يتم التجاوب مع أحد هذين الشرطين. لا تساوم القوات على عدد الوزراء، ووفق اتفاق معراب يحق لها بستة وزراء مع حلفائها أي مناصفة بينها وبين التيار، ووفق حسابات الوزير جبران باسيل الأخيرة حول كيفية التمثيل يحق لها بخمسة وزراء. والقوات لن تتنازل عما حققته من تمثيل شعبي، فتصر على خمسة وزراء، ولن تتنازل عن الوزير الخامس إلا لتسهيل عمل الرئيس المكلف أو رئيس الجمهورية فقط لا غير. لكن ما وصلها من اقتراحات من جانب باسيل حتى الآن، يؤكد انقلابه على اتفاق معراب وحتى نقضه للحسابات النسبية التي أجراها بنفسه. إذ يصر على ثلاث حقائب وزارية للقوات فحسب من دون نيابة الرئيس ومن دون حقيبة سيادية. وكذلك أبلغ باسيل المعنيين أن الجيش لا يقبل بأن تكون القوات على رأس وزارة الدفاع، أما القوات بحسب مصدر وزاري فيها فترد: «هذا الكلام مردود ومرفوض، فالقوات تدعم الجيش وتقف إلى جانبه، أما ما حدث في التاريخ القديم، فحصل قبل المصالحة، وهو صراع بين القوات والعماد ميشال عون حين كان قائداً للجيش، وليس مع الجيش».

لا حوار بين باسيل والحريري الذي يرفض رفضاً قاطعاً المعيار الذي يضعه رئيس التيار لتمثيل الكتل النيابية


حالياً التواصل الجدي مقطوع بين باسيل والقوات، ولا حوار بين رئيس التيار الحر وبين الحريري الذي يرفض رفضاً قاطعاً المعيار الذي يضعه باسيل لتمثيل الكتل النيابية. بالنسبة إلى الحريري «المعيار السليم هو الحجم السياسي للقوى السياسية ثم الحجم الانتخابي». على هذا الأساس، يتعامل الرئيس المكلف مع جنبلاط والقوات، والاتصالات التي يجريها الوزير الياس أبو صعب مع الوزير غطاس خوري لا تقدم ولا تؤخر. وهي أكثر من شكلية.
يرفض الحريري إعطاء باسيل عشرة وزراء أو أحد عشر وزيراً، لا ثلث معطلاً للعهد، مهما كانت التبريرات. وهو يلتقي بذلك إلى حد كبير مع بري، لأن الأحجام الانتخابية لا تعطيهما هذا العدد. فالحصة التمثيلية الحقيقية للعهد والتكتل ثمانية وزراء في الحد الأقصى لأن ثمة نواباً نجحوا على أساس أنهم كتلة العهد ولا يجوز احتسابهم من حصة التيار حيناً والعهد حيناً آخر.
وفق هذه المحصلة، لم يتحقق أي خرق في مسار تأليف الحكومة، وزيارة باسيل إلى عين التينة، أمس، هي تعبير عن مأزق يواجه العهد ورئيس التيار الوطني الحر الذي قطع قنوات الاتصال مع معراب وكليمنصو وبيت الوسط، فقرر أن ينفتح على رئيس المجلس النيابي، غير أن فك الحصار السياسي شيء وتأليف الحكومة شأن آخر، لا بل كيف يمكن توفير الحلول إن لم يتواصل باسيل، الذي أوكل عون إليه المفاوضات، مع الحريري وجنبلاط والقوات، وإذا كان رئيس الجمهورية يتمسك بالحريري منعاً لحصار دولي وإقليمي عليه، فهل هذا هو السبيل الصحيح لتشكيل الحكومة وللإقلاع بالإصلاحات الاقتصادية التي يتحدث عنها يومياً؟.