منذ إعلان «المرجعية» الأسبوع الماضي موقفها إزاء الأحداث العاصفة بالعراق، تواصل القوى السياسية ــ وتحديداً قوى «البيت الشيعي» ــ محاولاتها تقديم «فروض الطاعة». آخر تلك المحاولات جاءت أمس، مع طرح مبادرتين تساوِقان رؤية «المرجعية»: الأولى لمقتدى الصدر، حرصت على شعار «العراق أولاً»، فيما الثانية لهادي العامري دعت إلى إطلاق مشاريع «الإصلاح». وما بين الدعوتين، يرفع حيدر العبادي شعار تلبية مطالب المتظاهرين، الذين يوسّعون من رقعة احتجاجاتهم يومياً.

يبدو أن شعار «إيران برّا برّا» الذي خرج من المنطقة الخضراء في 2016 إبان التظاهرات التي قادها «التيار الصدري»، لا يزال مستساغاً لدى الأخير، وإن بلهجة دبلوماسية مخففة. زعيم «التيار»، مقتدى الصدر، يعيد ــ بشكل سنوي ــ تقويم مشروعه السياسي، المرتكز على قاعدة «العراق أولاً»، بعيداً من أي اصطفاف إقليمي أو دولي، والهادف بحسب ما يقول منظِّروه إلى تحييد العراق عن حسابات القوى المتخاصمة على أرض بلاد الرافدين، بل وجعل الأخيرة «نقطة وصل» في ما بين تلك القوى، حفاظاً على «مصلحة الجميع». الصدر، الذي طرح العام الماضي في خضم عمليات تحرير مدينة الموصل «مسودة مشروع ما بعد تحرير الموصل»، لـ«إعادة ضبط قواعد اللعبة السياسية لمرحلة ما بعد داعش... وبناء دولة مدنية بعيدة من مشاريع الجوار»، عاد بالأمس إلى طرح مشروع جديد، يحاكي نسبياً ذلك القديم، شكلاً ومضموناً، مُنطلِقاً هذه المرة من تصدر كتلته النيابية القوائم الفائزة في الانتخابات التشريعية (54 مقعداً)، ومُتمسِّكاً في الوقت عينه بخطاب المرجعية الدينية (آية الله علي السيستاني) أولاً، والمطالب الشعبية ثانياً.
وجاءت مبادرة الصدر في 32 نقطة، كضوابط للمشاركة في أي تحالف من شأنه تشكيل الحكومة المقبلة، بعد تحقيق مطالب المتظاهرين «المشروعة». وأكّد زعيم «التيار الصدري» مقاطعته «أي تحالف أو برنامج حكومي ما لم يكن تحت نطاق الإطار الوطني الرحب، ولكن ضمن ضوابط وثوابت تجمع الفرقاء تحت خيمة واحدة، فاجتماع الكتل من غير هذه الضوابط لن يكون نافعاً على الإطلاق». وتكرّر المبادرة في نقاطها مُحدّدات خطابات الصدر الأخيرة، كأن يكون الولاء للعراق حصراً، والتأكيد على استقلال البلاد وسيادتها ووحدتها، إلى جانب الفصل بين السلطات الثلاث، وعدم إشراك الوجوه القديمة في أي من المناصب مطلقاً، عدا عن محاسبة الفاسدين ومكافحة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، إضافةً إلى احترام رأي «المرجعية» وتوصياتها وعدم مخالفتها، وحصر السلاح بيد الدولة فقط.

هدّد المتظاهرون في النجف بتحويل احتجاجاتهم إلى «اعتصام مفتوح»


شروط الصدر قابلها، في وقت متأخر من ليل أمس، دفتر شروط آخر لـ«ائتلاف الفتح» بزعامة أبرز حلفاء طهران، الأمين العام لـ«منظمة بدر» هادي العامري. مبادرة الأخير جاءت «انطلاقاً من الخطبة الأخيرة للمرجعية الدينية»، داعية إلى تعديل القوانين والتشريعات في المجلس النيابي، خصوصاً القانون الانتخابي، وتغيير «المفوضية العليا المستقلة للانتخابات»، إلى جانب تشريع قانون الضمان الاجتماعي، على أن تكون حوارات تشكيل الحكومة المقبلة وفقاً لما رسمته «المرجعية»، إضافةً إلى التأكيد على مشروعية التظاهرات في المحافظات الجنوبية، وضرورة تحقيق مطالبها، على اعتبار أنها جزء لا يتجزأ من مكافحة الفساد والقضاء عليه.
بدوره، أعلن رئيس الوزراء، حيدر العبادي، أن الحكومة بصدد نشر لوائح أسماء المسؤولين المحالين إلى «هيئة النزاهة» بتهم الفساد، داعياً في مؤتمره الصحافي الأسبوعي السلطات إلى التعاون مع الجهات التنفيذية من أجل محاربة الفساد. وأضاف: «نحن جادون في تحقيق مطالب المتظاهرين»، واصفاً المواطن بـ«العامل الرئيس في الكشف عن مستوى الخدمات». وأشار العبادي إلى أن «التظاهرات تشكل دافعاً للحكومة باتجاه العمل والإنجاز في قطاع الخدمات»، لافتاً إلى «العمل مع الكتل السياسية على إعداد برامج موحدة للإصلاح في المرحلة المقبلة».
وعلى خط التظاهر، يتواصل في المحافظات الجنوبية الحراك المندّد بسوء الخدمات الحكومية منذ ثلاثة أسابيع، وسط إشارات جدية إلى إمكان تحوّله إلى اعتصامات مفتوحة قد تعمّ معظم المحافظات الوسطى والجنوبية. ونصب مئات المحتجين، أمس، خياماً للاعتصام أمام مجلس محافظة البصرة، جنوب البلاد، في تصعيد جديد بعد انتهاء «المهلة الممنوحة» للحكومة الاتحادية للاستجابة لمطالبهم، في وقت منع مئات المحتجين القوات الأمنية من فضّ اعتصامهم عند حقل القرنة 2 النفطي شمال البصرة، بالتوازي مع استمرار مئات المحتجين الآخرين في الاعتصام أمام حقل الزبير النفطي في البصرة أيضاً. ونقلت وكالة «الأناضول» عن أحد المسؤولين عن التظاهرات قوله إن «متظاهري البصرة قرروا توزيع اعتصامهم على الأماكن الرئيسة في البصرة، بعد تأكد عدم اهتمام الحكومة بمطالبهم»، لافتاً إلى أن «المئات نصبوا خيام الاعتصام أمام مدخل مجلس محافظة البصرة كنوع من التصعيد، بعد انتهاء المهلة التي منحتها الهيئة التنسيقية لتظاهرة البصرة للحكومة».
أما في بغداد، فقد نظم العشرات تظاهرة في ساحة التحرير وسط العاصمة لدعم «الحراك الجنوبي»، وسط انتشار أمني كثيف في محيط الساحة. وفي النجف، تستمر التظاهرات المطلبية، في ظل ارتفاع في سقف خطاب المتظاهرين، الذين هدّدوا بتحويل احتجاجاتهم إلى اعتصام مفتوح، في حال عدم استجابة الحكومة لمطالبهم. وقال أحد قادة التظاهرات، رحيم الشيباني، إن «الحكومة الاتحادية وضعت سقفاً زمنياً ينتهي السبت لتنفيذ مطالبنا، وفي حال عدم الاستجابة ستتحول التظاهرات إلى اعتصام مفتوح، وهذا ما أبلغنا به رئيس الوزراء حيدر العبادي».