كان يُفترض بالإحاطة الأخيرة التي قدّمها المبعوث الأممي مارتن غريفيث إلى مجلس الأمن الدولي، والتي أعلن فيها السادس من أيلول/ سبتمبر المقبل موعداً لانعقاد جولة جديدة من مشاورات السلام في مدينة جنيف السويسرية، أن تنعكس تفاؤلاً على المقلب اليمني. لكن تفاصيل ذلك الإعلان، والسياق الذي جاء فيه، وردود فعل الجبهة الموالية لتحالف العدوان عليه، كلها معطيات جعلت من إحاطة غريفيث سبباً في مزيد من التشاؤم بمآل الجهود التي يبذلها مندوب المنظمة الدولية. تشاؤم رافقت ارتفاع منسوبه توقعات بتصعيد عسكري إضافي على جبهة الساحل الغربي خلال الأيام المقبلة، في وقت كانت فيه مدينة الحديدة تلملم آثار المجزرة التي استهدفتها أول من أمس، والتي حاول «التحالف» التملّص من المسؤولية عنها.

وأعلن مسؤول في حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، أمس، أن حكومته ستشارك في المحادثات المرتقبة في جنيف، والتي قال إنها لن تكون مباشرة. لكن المسؤول نفسه، الذي تحدث إلى وكالة «فرانس برس»، رفض تسمية ما ستشهده المدينة السويسرية بالمفاوضات، معتبراً أنها «ستكون مشاورات من أجل المشاورات». نبرة تشاؤمية برّرها المتحدث بأن «المبعوث الأممي لم ينجح في إقناع الميليشيات بالانسحاب من مدينة الحديدة ومينائها من دون قتال»، وبأن «الخلافات لا تزال كبيرة بين الحكومة والانقلابيين»، ما يشي بأن سقف الجبهة الموالية لـ«التحالف» ما زال مرتفعاً، وبأن لا استعداد لديها لمقابلة المرونة التي أبدتها «أنصار الله» في التعامل مع المقترحات الأممية بموقف مماثل يمكن أن يوطّئ لوقف الحرب.
هذا التعنت بدت مؤشراته واضحة في الإحاطة التي تقدّم بها غريفيث أول من أمس، وخصوصاً في قوله إنه ليست ثمة أرضية لاتفاق حول الحديدة، لكن المستغرب من وجهة نظر مصادر سياسية في صنعاء هو تأخير المشاورات المزمع عقدها إلى ما بعد مرور أسبوع من شهر أيلول المقبل، علماً بأن غريفيث كان يتحدث عن إطار زمني أقلّ من ذلك، حتى بلغ به الأمر حدّ القول، في الـ29 من تموز/ يوليو الماضي، عقب لقائه أمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح، إنه يأمل «تحقيق السلام في اليمن في غضون الشهر المقبل (آب/ أغسطس)». تأخير تقرأ فيه المصادر «تواطؤاً» على منح «التحالف» فرصة إضافية لتحقيق منجز ميداني في الحديدة، يخوّله الجلوس إلى الطاولة مُحمَّلاً بأوراق قوة. ومن هنا، تدور التوقعات في صنعاء حول أن الفترة الفاصلة عن موعد استئناف المحادثات ستشهد عمليات تصعيد عسكري في محافظة الحديدة، مع إمكانية العودة إلى المخطط السابق القاضي بمحاولة اقتحام مركز مديرية الحديدة من دون السيطرة على المناطق الداخلية للمحافظة، لا سيما في ظل التحشيد الكبير باتجاه مديرية الدريهمي (جنوب مدينة الحديدة)، والتي يتطلع «التحالف» إلى إحكام قبضته على مركزها.

اعتبرت حكومة هادي أن محادثات جنيف ستكون «مشاورات من أجل المشاورات»


هذه العمليات المُتوقّعة كانت بدأت بوادرها منذ أواسط الأسبوع الماضي مع استئناف القصف العنيف على الحديدة، والذي بلغ ذروته أول من أمس بمجزرة مروّعة راح ضحيتها 155 قتيلاً وأكثر من 100 جريح. مجزرة حاول «التحالف»، إثر ردود الفعل الأممية الساخطة، التملّص منها، بقوله على لسان المتحدث باسمه، تركي المالكي، إن «الميليشيات هي من نفّذت عملية قتل المدنيين في الحديدة»، وإنه «لم تتمّ أي عمليات للتحالف داخل الحديدة». وهو ما عاد وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، وكرّره، مُتحدّثاً عن «تحقيق أجرته قوات التحالف بالتعاون مع حلفاء غربيين»، ومدّعياً وجود «دليل واضح على أن الأضرار قد نجمت عن قذائف الهاون التي أُطلقت من أراضي الحوثي».
لكن مصادر مطلعة أكدت، في حديث إلى «الأخبار»، أن سوق السمك وبوابة مستشفى «الثورة» في الحديدة تم استهدافهما بغارات جوية من طائرات «التحالف»، وذلك بعد قصف بحري كثيف استهدف المدينة طيلة نهار يوم الخميس. وبحسب رواية ناشطين مقرّبين من «التحالف»، فإن معلومات توافرت لدى الأخير تفيد بأن «قيادياً حوثياً» كان موجوداً في سوق السمك، ما حمل الطائرات على قصفه، ولما تمّ الاشتباه في أن القيادي المفترض نُقل إلى مستشفى «الثورة»، تمّت الإغارة على بوابة المستشفى هو الآخر. لكن، على ما يبدو، فإن السعودية والإمارات، ولدى اكتشافهما أن ليس هناك «صيد ثمين» كما توهّمتا، عمدتا إلى محاولة تمويه الجريمة، وإشغال الرأي العام بقذائف «هاون»، لا تنفي المصادر التي تحدثت إلى «الأخبار» أنها سقطت بالفعل على سوق السمك، لكنها توضح أن ذلك حدث بعد ساعة كاملة من وقوع الغارات التي أدت إلى مقتل وجرح العشرات، وأن القذائف انطلقت من الدريهمي حيث يوجد لواءٌ كامل من الميليشيات المدعومة إماراتياً، ما يبرّر ـــ بحسب المصادر ـــ الاعتقاد بأن ثمة عملاً مقصوداً لتمييع المجزرة. وتنبّه المصادر، في كل الأحوال، إلى أنه ليس بإمكان قذيفة اختراق سوق بأكمله، وإيقاع هذا الكمّ الهائل من الضحايا.
وفي تعليقه على إنكار الرياض وأبو ظبي مسؤوليتهما عن الجريمة، أشار رئيس «اللجنة الثورية العليا» التابعة لـ«أنصار الله»، محمد علي الحوثي، في تغريدات على «تويتر»، إلى أن «هذا التحالف اعتاد، أمام أي جريمة أو مأزق يُدان به، أن يتنصل ثم يعترف بعد ذلك»، مُذكّراً بـ«جريمة الصالة الكبرى التي أنكرها، ثم زعم أنه سيحقق فيها، ولم ترَ نتائج التحقيق المزعوم النور حتى الآن». وفي كلمة ألقاها خلال المسيرة التي شهدتها العاصمة صنعاء أمس تحت شعار «بدمائنا نصون أعراضنا»، جدّد الحوثي إدانته مجزرة الحديدة، مُشدّداً ـــ في موقف لافت ـــ على «(أننا) لا نقدم المبادرات اعتباطاً»، في إشارة إلى مبادرة وقف الأعمال العسكرية البحرية، والتي «جاءت من أجل الحفاظ على شعبنا». في هذا الإطار، تفيد مصادر مطّلعة في صنعاء، «الأخبار»، بأن مبادرة الحوثي جاءت من أجل سحب الذرائع من أيدي قوى العدوان، موضحة أن معلومات توافرت لدى «أنصار الله» تفيد بأن «التحالف» كان يسعى إلى استهداف سفن تجارية في البحر الأحمر، بهدف استقطاب دعم دولي لمعركة الحديدة، بعدما بدا أن خطته المتمثلة في إعلان تعليق مرور شحنات النفط عبر باب المندب لم تؤتِ مفعولها المطلوب.