منذ بضعة أسابيع، انتشر تسجيل بعنوان «مشاع»، وقد تم توزيعه مقابل مبلغ زهيد في أمسيات عدة أحياها الفنان زياد الرحباني أخيراً. على الغلاف «لاب توب» وخلفه شخص مجهول للدلالة على العمل السريّ ضد الملكية الفكرية وقرصنة المشاعات الإبداعية. كلمة «مشاع» أساساً هي الأرض التي لا ملكية لها، أي كما كانت في البدء، وكما سعت الماركسية إلى إعادتها إلى الأصل عبر إلغاء الملكية الخاصة. على الغلاف الخلفي حسناء مثيرة وجدّية، تعزف ساكسوفون والصورة بالأسود والأبيض. لا يوجد على العلبة أي عبارة أو اسم أو عنوان عمل أو معلومات عن إنتاج وتوزيع… إلخ. فقط كلمة «مشاع». إنها مختارات (compilation) موسيقية وغنائية وإذاعية ساخرة من توليف زياد الرحباني، واللوغو هذا سبق واستُخدم في تسجيل أغنية «خلص» الذي نُشِر على يوتيوب أخيراً.

موضوع المقالة ليس نقدياً، بل يتناول فقط الشق المتعلّق بمحتوى التسجيلات وملامح هذا الإصدار غير الرسمي. فغالبية الأشخاص، عندما يسمعون مقطوعة موسيقية أو أغنية لا يعرفونها، لديهم فضول الاطلاع على المعلومات الأساسية التي تخصّها، أي، بشكل أساسي عنوان العمل وصاحبه (مؤلفه و/أو مؤدّيه). بالتالي، ولمّا لم يكن «مشاع» يحتوي على لائحة بمحتواه الصوتي، قررنا تقديم هذه المعلومات لمن يهمه الأمر.
في البداية، يجب الإشارة إلى أن الشكل العام لـ«مشاع» يشبه أي سهرة مع/عند زياد. فالذين حظوا بجلسة خاصة معه، يعرفون ذلك: بعد السلام، يبدأ اللقاء بتسجيل استوديو لعمل لزياد غير منشور أو باسكتش قديم، متداول أو لا، ثم بأغنية أو موسيقى من هذا الريبرتوار أو ذاك، أو بتسجيل حي من أمسية قدّمها مع فرقته في السنوات الأخيرة. الموسيقى لا تتوقف في منزل زياد، أو تتوقف نهائياً في الأوقات العصيبة، كتلك التي مرّت عليه بين خريف 2015 وربيع 2018، حيث بقيت المعدات الصوتية مغلّفة بالنايلون (إثر الانتقال إلى شقة أخرى) كل تلك المدة الزمنية، في مشهد محزنٍ للغاية.
ماذا في «مشاع»؟ أولاً، ينقسم التسجيل إلى قسمَين (2 tracks)، يحتويان على موسيقى وأغنيات من الريبرتوار الغربي بنسخها الأصلية (أي من مكتبة زياد الرحباني الموسيقية) أو بأداء حيّ لزياد وفرقته، بالإضافة إلى أعمال خاصة معروفة لكن غير منشورة واسكتشات أو مونولوغات إذاعية، بعضها منتشر وبعضها الآخر تم بثه قديماً على الإذاعة فقط. سنعتمد في هذا التبويب ذكر اسم العمل ومؤديه، بالإضافة إلى إسم زياد الرحباني حيث تحمل المادة توقيعه.
القسم الأول (track one)، مدته 34 دقيقة و54 ثانية، يحتوي بالتسلسل على التالي: Cajun Moon بصوت راندي كراوفورد، Smooth Talk بصوت إيفلين تشامباين كينغ، «صمدوا وغلبوا» (زياد الرحباني) من تسجيل حيّ (2014) بصوت ريم بنّا وحازم شاهين، مجموعة من الاسكتشات الإذاعية المنشورة وغير المنشورة من برنامج «العقل زينة» (زياد الرحباني)، Wayfaring Stranger بصوت إيفا كاسيدي، دعاية لماركة زبدة (زياد الرحباني)، O Grande Amor من تسجيل حي لزياد وفرقته ويؤديها آفو توتنجيان، «صمدوا وغلبوا» (إعادة أولى للتسجيل ذاته)، Fly Me To The Moon بصوت آلما كوغان.

ينقسم التسجيل إلى قسمَين يحتويان على موسيقى وأغنيات من الريبرتوار الغربي وأعمال خاصة معروفة لكن غير منشورة


القسم الثاني (track two)، مدته 26 دقيقة و12 ثانية، يحتوي بالتسلسل على التالي:
إعلان «أباً عن جدّ» (زياد الرحباني)، The Man I Love من تسجيل حيّ لزياد وفرقته وتؤديها الأميركية سيندا رامسور، تسجيل استوديو غير منشور لـ«أبو علي» (زياد الرحباني)، اسكتش إذاعي (زياد الرحباني)، «صمدوا وغلبوا» (إعادة ثانية للتسجيل ذاته)، This Masquerade بصوت جورج بنسون، دعاية لأحد مخازن التموين (زياد الرحباني)، موسيقى Spiral تؤديها فرقة The Crusaders.
إذاً، هذا هو محتوى «مشاع»، فأين تكمن أهميته، لناحية أعمال زياد؟ إذا استثنينا أغنية «صمدوا وغلبوا»، بما أن التسجيل الوارد هنا بثّته «صوت الشعب» أخيراً، تنحصر المفاجأة بإعلان «تلفزيون لبنان» وهو من أجمل الإعلانات في تاريخ التلفزة المحلية (تنفيذاً وإخراجاً ونصاً وموسيقى). لم تتوافر هذه المادة، كعمل موسيقي/ غنائي، بتسجيل نظيف منذ سمعناها من خلال الشاشة الوطنية في التسعينيات. النسخة التي ينشرها زياد هنا هي نفسها المستخدمة للإعلان، لكن تختلف عنها قليلاً، فهي أقصر (ينقص هنا الجزء الأوسط في النسخة المصوّرة) ويغيب عنها البيانو كلياً (وكذلك المقدمّة الكلاسيكية). المفاجأة الثانية هي تسجيل استوديو غير منشور، لموسيقى «أبو علي». تسجيلٌ يُسمع منه مقاطع خلال برنامج «العقل زينة»، نسمعه في «مشاع» كاملاً… أما الدقة في الانتقال من محطة لأخرى (بما أن الأعمال موصولة بعضها ببعض في القسمَين الذي يتألف منهما الإصدار) فتؤكد الجهد الذي وضعه زياد في هذا الجانب، والذائقة العالية في دمج أعمال متباعدة إلى هذا الحد… وقريبة كلها من القلب.