هذه المرّة، يكتفي يوسف عبدلكي (1951) بكلمة واحدة هي «أسود» عنواناً لمعرضه الذي تستضيفه «غاليري صفير- زملر» في مدينة هامبورغ الألمانية. لعل الرسام السورّي الذي ظل مخلصاً لقلم الفحم في بناء عمارته التشكيلية طوال عقود، وجد في «أسود» دلالة أكثر تأثيراً في وصف هذه اللحظة العاصفة بكل عنفها ووحشيتها ودمارها، وفي الوقت نفسه، الإشارة إلى تمجيد الأسود كلون قادر على اختزال ما يرغبه تعبيرياً.


في معرضه الجديد، يتابع هذا الغرافيكي الحاذق عمله على الكائنات الساكنة وإيقاظ فتنتها النائمة، أو وضعها في مواجهة شرسة مع الموت. فوراء هذه السكينة المراوغة، والموت المجلل بالصمت والعزلة والسخط، تكمن تراجيديا الألم. هكذا تتقاطع مفردات السمكة والعصفور والوردة مع المسمار والسكين في صراع أبدي، معوّلاً على انتصار الجمال في مواجهة البشاعة، في ممارسات تشكيلية متعددة الطبقات تنطوي على صرامة في بناء الكتلة من جهة، وسخط على المصائر التي انتهت إليها كائناته. هناك حياة مهدّدة على الدوام، حياة على حافة الهلاك، ينبغي إنقاذها وتوثيقها بأقصى ما يمكن من الاحتجاج. «أسود» بهذا المعنى، أقرب ما يكون إلى مرثية لجمال حسّي قيد الاحتضار، واحتدام عاطفي سخي في إعادة الروح لزنبقة قبل أن تذبل بقليل، أو هتك معجم الوحشية بإشارة حاسمة من طبقات الأسود والرمادي في إيقاع سكوني تارةً، وضربات محمومة طوراً، أو ما يمكن أن نسميه «جمالية الصبر» في ترميم الكتلة والفراغ بزخرفة غير مرئية، أو أنها تتوارى خلف التكوينات الصلبة لكائناته في حيرتها وسخطها وهشاشتها تجاه مظلومية بلا ضفاف. هكذا يؤرشف عبدلكي أحوال الموتى والمفقودين في صور على الجدران، لحماية أرواحهم من الغياب القسري.

«سمكة» (فحم على ورق ـــ 40 × 102.6 سنتم ـ 2018)

وهو حين يؤرخ لزنبقة أو قوقعة أو سمكة، فإنه يمنحها حياة موازية في توليفات آسرة، تتخذ مساراتها وإشعاعاتها وفقاً لدرجات الظل. قد يبدو للعين العجلى بأن يوسف عبدلكي يراوح مكانه في تكرار مفرداته، لكن نظرة متفحّصة لعناصر لوحته تكشف عن نبرة مختلفة أكثر إيغالاً في نبش تفصيل مهمل هنا، أو هناك للعنصر نفسه. فالزنبقة تتخذ هيئات متعدّدة في جموحها أو انكسارها، تبعاً لحضورها اللحظوي، مثلها مثل جسدٍ عارٍ، أو جمجمة. وبناء على ذلك، فإن عبدلكي لا يعوّل على البعد الانطولوجي وحده، بالنسبة للمفردة، وإنما على الحفريات التقنية في إضاءة عتمة الخلايا النائمة لكائناته، وهي تتفتح على مهل، بضربات جمالية مباغتة تزاوج بين المهارة الغرافيكية وغبطة التصوير، بعيداً عن عدمية الأسود. ذلك أن ما هو داكن ينطوي في العمق على نور ونورانية في آنٍ واحد. على الأرجح، فإن هذا التشكيلي المتمرّد يعمل على استعادة ما هو مستلب تاريخياً بقوة قلم الفحم وخطوطه الصلبة، وتحريره من جغرافيا البشاعة والأقفاص المغلقة، وندرة الأوكسجين، بعدما استنفد هتك مفردات الاستبداد والبطش والقسوة، في مراحل مبكرة من اشتغالاته وانشغالاته (جنرالات وأحصنة).

«سمكة» (فحم على ورق ـــ 145 × 247 سنتم ـ 2015)

وتالياً، فإنه يسترد حقاً ضائعاً، لطالما حجبه الاستبداد بكافة أصنافه عن النور، فالتدريب على صناعة الجمال أكثر جدوى وحميمية، جمالياً وبلاغياً، في تربية الذائقة عما افتقدته مراراً، في ظل لوغو التسليع.
«أسود» بملفوظ آخر، ذريعة مراوغة لتحرير البياض مما أصابه من لطخات وكدمات وندوب، تحت وطأة تاريخ طويل من العفن والهزائم والانكسارات. أسماك وزنابق وقواقع، أجساد مصلوبة، وأخرى عارية، تشكّل مجتمعة، معجم يوسف عبدلكي في تشريح العار، وكمحصلة مؤلمة لفاتورة ضخمة من الاحتجاج والسخط والفقدان.
تعالوا إذاً، إلى كائنات عبدلكي وهي تقف على حافة شهقتها الأخيرة!

* «أسود» ليوسف عبدلكي: حتى 28 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل ــــــ «غاليري صفير زملر» (فرع هامبورغ) ـ sfeir-semler.com