بات مغني الراب الفرنسي مدين (1983 ــــ مدين زويش) رغماً عنه موضوع سجال فرنسي داخلي مكرور حول العلمانية والإسلام وغيرهما من مغامرات تان تان في بلاد الالتباس والإسلاموفوبيا . مبعث كل هذا الهياج هو تنظيم حفلة للمغني في شهر تشرين الأول (أكتوبر) المقبل في قاعة «باتاكلان» الباريسية الشهيرة التي تحولت منذ عام 2015 إلى رمز لتروما جماعية بعد الهجمات التي أودت بحياة تسعين شخصاً. منذ حزيران (يونيو) الماضي، أطلق اليمين المتطرف حملة شرسة ضد المغني، بمشاركة وسائل إعلام كثيرة ومسؤولين سياسيين، باعتباره المنشد الرسمي لـ «داعش» والمحرض على الإرهاب، مستندة إلى أخبار كاذبة ورغبة جامحة في التنكيل.




هستيريا جماعية
نتيجة لخياراتها الكبرى السياسية والاقتصادية-الاجتماعية والإيديولوجية، أضحت فرنسا، القوة الإمبراطورية السالفة، بلداً يبرع مثقفوه في إشعال السجالات المشيّعة للذعر في صفوفهم كما في صفوف العامة، والاستعاضة عن فقر مساهماتهم الفكرية بحضور إعلامي طاغ. لقد تمكن اليمين المتطرف من التحكم بمفردات الحوار كما بوجهته في «بلاد الأنوار»، ومنذ أكثر من عقدين، أخذ الخطاب السياسي السائد يتبنى تدريجاً الأفكار المسبقة الأكثر عداوة حيال قطاعات بعينها من المواطنين: الفقراء الكارهون لأوروبا، والمسلمون المعادون للجمهورية، وسكان منطقة بروتانيي Bretagne) الذين لا يحبون باريس (حسب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي هاجم في تصريح أخير ما أسماه مافيا) الإسهام الفرنسي الأخير في عالم الفن هو الهجمة على مدين. جريمته التي لا تغتفر هي إصداره ألبوماً عام 2005 بعنوان «الجهاد الأكبر هو جهاد النفس». هو تجرأ على التلفظ بالكلمة الممنوعة والمرذولة. بعد ألمانيا التي أصدرت قانوناً يمنع استخدام «جهاد» كاسم، انتقلت عدوى الرعب إلى فرنسا. عام 2015، وقبل بضعة أشهر من مقتلة الـ «باتاكلان»، أطلق مدين أغنية يقول فيها «فلنصلب العلمانيين كما في الجلجلة». أيجعل هذا الأمر منه نظيراً للأخوين كواشي اللذين قتلا بدم بارد اثني عشر شخصاً؟ يتعامى المسعورون عن أن الاستفزاز اللفظي في الراب هو كما الشجن في الأغاني الشعبية، وأن أي تعبير فنّي هو نتاج للبيئة المحيطة أي في حالتنا هذه الأحياء والضواحي الشعبية الفقيرة حيث يبلغ العنف الاجتماعي حده الأقصى.



من هو مدين؟
ولد مغني الراب في مدينة «لو هافر» في منطقة النورماندي من أب جزائري وأم مولودة في فرنسا ومن أصول جزائرية أيضاً. حسب تعريف الجمهورية الفرنسية، هو فرنسي من الجيل الثالث. لكن عدد الآباء والأجداد الذين ولدوا على أراضيها غير كاف لكي تعترف بالبعض كمواطنين بالمعنى الكامل للكلمة. وإذا اعتقد بعضهم العكس، ستتكفّل وسائل الإعلام والطبقة السياسية بالبرهان على خطى اعتقادهم. أن تكنّى باسم ثاني الحرمين الشريفين وتصدر ألبوماً عنوانه «جهاد» وأن تناصر فلسطين هي أسباب وافية لكي يسلم المرء للدهماء الفرنسية، «العلمانية» جداً، لكي تبت بمصيره.

انتقد التطرّف الإسلامي في أغنية «احذر على نفسك»


مدين الذين يهاجم اليوم بوصفه أحد أخطر الجهاديين في الفضائين الإعلامي والافتراضي، حاضر على الساحة الفنية الفرنسية منذ أكثر من خمسة عشر عاماً. وفي بداية مسيرته الفنية، حظي بالثناء والشهرة بفضل نصوصه الملتزمة والمتدينة. وقد تجلى التزامه السياسي بوضوح في جميع ألبوماته التي تزخر بمرجعيات كمالكوم أكس ومارتن لوثر كينغ ونلسون مانديلا وياسر عرفات وتوماس سانكارا. يميل مدين أيضاً إلى اعتماد أسلوب الراوي الذي يسرد من منظوره أحداثاً تاريخية ذات مغزى تكرّس دور الراب في التعبير عن الاحتجاج السياسي. انتقد في ألبوماته التطرّف الإسلامي كما في أغنية «احذر على نفسك» (2014) يقول فيها:
«أوجّه كلامي لقادة الضالين
الذين يخطبون على المنابر
لا تأتِ للتجنيد في حومتي
لم تطأ قدمك المدرسة وتزعم أنك من أتباع المدارس الأربعة
من حسن الحظ أننا قرأنا القران قبل أن نلتقي هؤلاء الدجالين»
ما الداعي لكل هذا السجال على الرغم من إدانة مدين الواضحة للتطرّف الإسلامي؟



سببان يفسران السجال الحالي: الأول هو انعدام الكفاءة لدى قطاع واسع من الصحافيين في فرنسا وجهلهم المطبق بثقافة الأحياء الشعبية. الثاني هو التعاطي مع الراب باعتباره فناً لقيطاً خاصاً بأبناء المهاجرين. لم يظهر في فرنسا بعد نظير لمغني الراب الأميركي الأبيض امينيم Eminem. «ينبغي النظر إلى الموضوع بشكل أشمل: الراب عبارة عن تقيؤ لفظي عنيف لأقصى الحدود». الكلام لآلان فلكنكراوت، عضو الأكاديمية الفرنسية، متفلسف اشتهر فعلاً بسبب شطحاته الوجدانية المؤيدة لإسرائيل أو المعادية للإسلام وليس بسبب إسهاماته الفكرية. لن تسمعوا منه كلمة عن العنف السياسي والاقتصادي في الضواحي الفرنسية.
لارومور، سنيبر، كيري جيمس وآخرون استُهدفوا بحملات إعلامية تركز حصراً على مغني الراب. لم يسمح لهم نجاحهم المهني والتجاري بالحصول على رضى نخبة جادة السان جرمان البيضاء كونهم ناطقين باسم جيلهم من المهمّشين بسبب أصولهم الاجتماعية والعرقية.