لا يلغي نفي البيت الأبيض أخبار الرشوة الأميركية للسلطة الفلسطينية كي تستأنف مفاوضاتها مع إسرائيل. حقيقة الخبر تتساوق مع السياسات الأميركية التي تعتمد تحقيق مصالح واشنطن وانتزاع حقوق الآخرين، عبر الرشى والإغراءات المالية.

مصادر دبلوماسية أميركية أكدت لوسائل إعلام عبرية (صحيفة «غلوبس» الاقتصادية) أن كادر وزارة الخارجية المكلف متابعة الشأن الفلسطيني نجح في إقناع الرئيس دونالد ترامب، عبر كبار مبعوثيه إلى المنطقة، وتحديداً جاريد كوشنير وجيسون غرينبلات، بتمكين الفلسطينيين من «إخراج أنفسهم» من المعضلة الموجودين فيها، عبر الإغراء المالي والاقتصادي، كتحفيز لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل ومن ثم قبول «صفقة القرن» الموعودة. المصادر الأميركية أشارت إلى أن ترامب وافق مبدئياً على الاقتراح، وأيضاً على حجم الميزانية المطلوبة وهي خمسة مليارات دولار، إضافة إلى مبلغ مماثل، من دول أوروبية وخليجية.
المصادر الأميركية شددت على أن المبلغ المتداول لم يحدد عشوائياً، بل نتيجة دراسة خطة تأهيل السلطة وتطويرها بما يشمل أيضاً قطاع غزة. التشديد جاء أيضاً، من المصادر، على أن خطط إنعاش اقتصاد السلطة بُحثت في منتديات دولية مختلفة، وكان لإسرائيل دور مهم ومساهم فيها. وقال مصدر أميركي مطلع على التفاصيل للصحيفة الاسرائيلية، في ما يمكن وصفه برسالة تحذير للفلسطينيين، إن بإمكانهم رفض المقترحات والاستمرار في رفضها، لكن عليهم أن يدركوا أن الأزمة الاقتصادية ستتواصل وتزيد، و«على القيادة الفلسطينية أن تستفيق وتأتي للتفاوض كي تحصل على استقلالية سياسية واقتصادية»، مشيراً إلى أن الرئيس ترامب يؤمن بأن «مقاربة البيزنس بإمكانها أن توصل إلى نتائج».

ترامب يؤمن بأن «مقاربة البيزنس بإمكانها أن توصل إلى نتائج»


ومع أن البيت الأبيض نفى التقرير الإسرائيلي، عبر بيان صدر عنه، أكدت مصادر إسرائيلية مسؤولة ما ورد في التقرير، وذكرت للصحيفة أن المقترح وصل أيضاً إلى تل أبيب، مع التأكيد من قبلها أن الأميركيين مستعدون لصرف مبالغ كبيرة لنجاح الصفقة التي يُعدون لها. لكن المصادر الإسرائيلية شككت، بالمقابل، في أن تتمكن واشنطن من إمرار الصفقة كما يخطط لها في زمن رئيس السلطة، محمود عباس، مقدرة أن على الجميع انتظار رحيله، لأنه «تسلق شجرة عالية جداً وشاهقة، وما عاد قادراً على النزول عنها».

حول الرشوة
في الرشوة الأميركية ودلالاتها، يمكن الإشارة إلى الآتي:
- ترتبط العقوبات والتضييق المالي والاقتصادي الأميركي على السلطة والفلسطينيين عموماً بمشروع تصفية القضية وإنهائها عبر ما بات يسمى «صفقة القرن». التضييق المالي لا يرتبط بأيٍّ من الأهداف الأميركية التكتيكية المعتادة تاريخياً لتقطيع الوقت وجلب مكاسب مرحلية، بل بأصل القضية الفلسطينية والعمل على إنهائها، عبر كسر الإرادة الفلسطينية ودفع السلطة إلى التنازل عن الحقوق أو ما بقي منها، بما يشمل الحقوق التي لا يمكن حتى رام الله وجماعة الخيار التسووي مع الاحتلال التنازل عنها.
- في المقابل، باتت الإدارة الأميركية تدرك أن لا قدرة فعلية على إمرار الخطط الموضوعة للمنطقة، إلا عبر «إمضاء» فلسطيني ورضا بمشروع «صفقة القرن»، في حين أن «اللارضا» الفلسطيني يحول أو يصعّب التطبيع العلني الكامل مع الأنظمة العربية، وهي الغاية النهائية للصفقة، إضافة إلى غاية إنهاء القضية، الهدف الرئيسي لهذه الإدارة.
- ما زالت الإدارة الأميركية، رغم كل العراقيل التي تواجه خططها، تؤمن بأن التضييق المالي والاقتصادي على الفلسطينيين من شأنه جرهم صاغرين إلى طاولة المفاوضات، وبالشروط التنازلية التي تريدها واشنطن وتل أبيب. ما يعني أن الضغط الاقتصادي سيتواصل بوتيرة ومستوى أعلى في هذه المرحلة وما يليها، مع مزيد من الأزمات.

«الأونروا»...
في غضون ذلك، يبدو أن «وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا) قد تتخطى هذا العام الحرب الوجودية التي تشنها الإدارة الأميركية عليها، عبر سلسلة إجراءات وتدابير تقشفية، وتأمين جزء إضافي من الميزانية، عبر أطراف ثالثة. وأشارت صحيفة «غلوبوس» العبرية في تقرير لها إلى معطيات جديدة حول الوكالة الأممية تؤكد إمكان تجاوزها الخطر حتى نهاية العام الجاري. ووفق المعطيات، تنوي الوكالة ضمن خطط تجاوز الأزمة جملة تقليصات في الإنفاق وترشيده، الأمر الذي يضمن لها الاستمرار في أداء مهماتها حتى صيف 2019، لكن في ما يتعلق بما وراء ذلك، فالوضع على حاله من الضبابية واللايقين، وسيبقى حتى ذلك الوقت مرتبطاً بالتطورات السياسية في المنطقة، التي دفعت في الأساس إلى الخطوة الأميركية لتقليص المعونة المالية وقطعها عنها.