لا يبدو أن الإغراء الأميركي المالي لكل من مصر والأردن، وحتى السلطة الفلسطينية، كان كافياً لإقناع هذه الأطراف بتمرير خطة توطين سريعة وفعالة للاجئين، بل يبادر «الملكيّون أكثر من... العدو» دوماً إلى تقديم الحلول. ففي قضية العودة، تعمل الأنظمة العربية الصديقة والحليفة لإسرائيل على تقليل عدد من يحق لهم الرجوع إلى فلسطين، وذلك بالضغط عليهم بوسائل شتى، جديدها ابتزازهم بين البقاء في وظائفهم، وبين الاستغناء عن حق العودة، أو حتى الحصول على الحق الديني بالعمرة أو الحج إلى مكة ضمن المساومة السابقة. لا تزال رام الله تخبئ رأسها في الأرض، ولم تتصرف إلا بإجراء قنصلي «بسيط» في محاولة لمواجهة هذه «الموجة» الخليجية التي لا يعرف مداها بعد!

علمت «الأخبار»، من مصادر فلسطينية وأردنية، أن السلطات السعودية أصدرت قراراً يمنع إصدار تأشيرات عمرة للفلسطينيين من حمَلة الجوازات المؤقتة ووثائق السفر، في مرحلة أولى تسبق شعيرة الحج، وقد أبلغ القرار بصورة مؤكدة للأردن ومكاتب السفر فيه، كما وصل إشعار شبيه إلى السفارات الفلسطينية في الدول العربية. وبموجبه، لن يحصل حملة الجوازات الأردنية المؤقتة (بلا رقم وطني ويصدر لمن أصولهم من غزة أو حالياً من سكان القدس)، وحملة الوثائق بأنواعها (الصادرة عن كل من مصر ولبنان وسوريا والعراق ومصر)، على تأشيرات دخول إلى السعودية. كذلك، أُبلغ اللاجئون في السعودية، ودول خليجية أخرى كالإمارات، أن من يحمل إقامة على وثيقة سفره لن تجدد له، وأن الخيار إما العودة (الرحيل) إلى بلد الوثيقة، أو استصدار جواز فلسطيني مؤقت من السلطة (يسمى الجواز المصفّر أو جواز الاستعمال الخارجي)، الذي إذا حمله اللاجئ يصير، في حكم الدول المستضيفة له، مضطراً إلى تسليم وثيقة لجوئه أولاً، ثم استصدار إقامة سنوية ثانياً.
القرار، المرتبط بوضوح بمسار «صفقة القرن» وتوطين اللاجئين، ترافق مع إشعار الشركات الخليجية بتسوية أوضاع اللاجئين الفلسطينيين العاملين لديها ضمن هذه المعايير، وأن عليهم إذا أرادوا الإبقاء على موظفيهم أن يعمد هؤلاء إلى استصدار «جواز مؤقت» من سفارات السلطة، وهو ما ردّت عليه الأخيرة بقرارها وقف إصدار هذه الجوازات أياً كان الظرف. و«الجواز المصفّر»، أو «جواز الاستعمال الخارجي» كانت سفارات السلطة تصدره للاجئين لأن دول الخليج ترفض منذ عشرات السنوات إعطاء إقامة عمل على وثائق اللجوء، بل إن الإمارات بادرت أخيراً (قبل نحو 4 شهور) إلى الطلب حتى ممن جاؤوا بـ«جواز مصفّر» ألا يكون أبيض الصفحات، بل أن يحمل إقامة من الدولة الآتي منها. ووراء هذا الإجراء ما وراءه، لأن الحصول على إقامة على هذا الجواز يعني أن على اللاجئ التصريح لدولة الاستضافة (لبنان مثلاً) بوجوده معه، وهو ما يتبعه تخيير جهاز الأمن المختص («الأمن العام» مثلاً) أن يحمل واحداً من الاثنين (جواز السلطة أو الوثيقة)، لأنه لا يحق قانوناً للاجئ أن يحمل وثيقة لجوء وجواز بلده في الوقت نفسه، الأمر الذي يعني أن يتحول وجوده في هذه الدولة إلى إقامة مؤقتة، وهو ما يسقط عنه معنوياً صفة اللجوء.

تساوق مع «صفقة القرن»
التفصيل الأخير يدل على تغيير مفاجئ في السلوك الخليجي، إذ كانت الإمارات سابقاً تكتفي بطلب جواز السلطة المؤقت، وكانت سفارات السلطة تصدره للتسهيل خاصة على الأطباء والمهندسين، فكانوا يسافرون من بلد اللجوء عبر وثيقة السفر الصادرة منه، ثم يدخلون البلد الذي سيعملون فيه بالجواز الآخر، وهي المناورة التي استمرت عشرات السنوات، الأمر الذي يطرح سؤالاً عن هذا التوقيت الذي تريد فيه الدول الخليجية الالتفاف على هذا الإجراء، ليصير من يحتاج العمل - أو العمرة والحج - من اللاجئين أمام مساومة بين صفة لجوئه، وباب رزقه وحتى الحج، خصوصاً أن استعادة الوثيقة من الدولة المستضيفة أمر صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً. وبعد التواصل مع مصادر سياسية، أكدت أن رام الله ليست بصدد مواجهة مباشرة مع الرياض وأبو ظبي، لذلك عمدت السفارات إلى وقف إصدار جوازات السلطة المؤقتة حالياً، وهي بانتظار التأكد من دخول الحج ضمن هذا الإجراء، أم أن الحديث يدور عن تأشيرات العمرة والعمل فقط. أما في حال شمول الحج، فقالت المصادر إن السفارات ستعمل على التنسيق مع الدول المستضيفة من أجل أن يكون «إصدار جوازات السلطة حالة مؤقتة ومقتصراً على الحجاج الذين سيسلمون هذا الجواز للسفارة بعد عودتهم (إصداره لمرة واحدة)»، لكنّها ترى أن الأمر يحتاج تنسيقاً سياسياً لا قنصلياً، يضمن أن يحافظ اللاجئون على صفة اللجوء حتى لو حمل هؤلاء جوازات سلطة مؤقتة، وضمن آلية تنسيق معينة.
وكانت السفارات الفلسطينية تصدر «الجوازات المصفّرة» (بلا رقم وطني) أيضاً لمواليد اللاجئين المقيمين في الدول الخليجية، كي تستطيع العائلة السفر للمرة الأولى وإخراج وثيقة للمولود الجديد من دولة الاستضافة في أول زيارة. واللافت أن شهوداً من اللاجئين المقيمين في السعودية قالوا إن السفارة ترفض حالياً استخراج أي جواز مؤقت حتى لهذه الحالات، وذلك في مؤشر على علمها بترتيب جديد قد يفضي إلى توطين حملة الوثائق والجوازات الأردنية المؤقتة، وبعبارة أخرى: بدء المرحلة التالية من «صفقة القرن» المتعلقة باللاجئين وتوطينهم (بعد عرقلة وإيقاف «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين» (الأونروا)). ومع أن خطوة السلطة اعتراضية، فإنها لا تعفيها من إيجاد حل منطقي، خصوصاً أن وقف إصدار هذه الجوازات يمس مصالح اللاجئين أساساً، وهي التي كانت قد غيرت اسم «دائرة شؤون اللاجئين» في «منظمة التحرير» إلى «دائرة شؤون المغتربين»، في خطوة سبقت الحديث عن «صفقة القرن» بمدة طويلة.

أُبلغ حمَلة الوثائق أنه لن تجدد لهم إقاماتهم إلا إذا حصلوا على «جواز سلطة»


الأكثر صعوبة أن الوضع المتدهور في العراق وسوريا على وجه التحديد أخذ مستقبل حاملي الوثائق الفلسطينية من هذين البلدين إلى مربعات أخرى في ظل هجرة عدد كبير منهم إلى أوروبا وأستراليا وأميركا اللاتينية، وصعوبة عودتهم على المدى المتوسط، فضلاً عن أن بعض دول اللجوء كانت تمنح للفلسطيني السوري مثلاً الإقامة والجنسية بصورة أسرع من اللاجئ السوري، في إجراء له أهدافه الواضحة، وتربطه مصادر مطلعة ببروتوكولات متفق عليها بين إسرائيل وهذه الدول.
الملاحظ أن قصة الأوراق الثبوتية وجوازات السفر للاجئين تعود إلى الظهور في كل أزمة تمر بها القضية الفلسطينية، خصوصاً أن أعداد الفلسطينيين سواء داخل فلسطين المحتلة بكل مناطقها، أم خارجها، تمثل أهم الملفات المؤجلة التي مرت على جميع طاولات المفاوضات. لكن ضمن «صفقة القرن»، يمثل حسم موضوع «من هو الفلسطيني»، المقيم في المناطق الخاضعة لإسرائيل أو السلطة واللاجئ والنازح، خطوة أساسية للمعالجة الجذرية لأزمة اللجوء من وجهة نظر إسرائيلية (راجع عدد اليوم) وأميركية. لأنه عملياً، يمثل سحب الوثائق خطراً على تعريف اللاجئين، ومن ثم تقليل أعدادهم، وحتى أعداد من يمكن أن يُطرح بشأنهم التعويض المالي. كما أن حاملي الجواز المؤقت الذين لا يستطيعون حتى العودة إلى مناطق السلطة (راجع: مصر والأردن: ملكيّون أكثر من إسرائيل!، العدد 3545 في 2018/8/20)، أو الذين خسروا وثائقهم ولا يستطيعون العودة إلى سوريا والعراق، سيُضطرون في نهاية الأمر إلى البحث عن جنسية أجنبية لإكمال حياتهم.

ماذا سيفعل الأردن؟
منذ عام 2016 أقرّ الأردن بالشراكة مع «صندوق النقد الدولي» خطة خمسية لتحفيز النمو (2018-2022)، ابتدأت بصورة أساسية بإنجاز تعداد سكاني. قد يبدو الأمر مرتبطاً بالاقتصاد لكن عندما يتعلق الأمر بالأردن، هناك الكثير من المعلومات الإحصائية التي تعتبر أوراق ضغط وتفاوض حتى إن لم يكن الأمر علنياً، خصوصاً أنه لا بيانات علنية توضح مثلاً أعداد الفلسطينيين المقيمين في المملكة، مع أن حركة إصدار الجوازات (الدائمة والمؤقت) للفلسطينيين طبقاً لوضع كل منهم (الذي يخضع لتعقيدات كثيرة) لم تتأثر، إضافة إلى ملاحظة أنه تراجعت حالات سحب الجنسية الأردنية من الفلسطينيين بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرة!
والأردن الذي يمثل أعلى نسبة لوجود الفلسطينيين (أكثر من 4 ملايين بغض النظر عن نوع الجوازات التي يحملونها)، تركز «صفقة القرن» على تجنيس حملة الجوازات المؤقتة فيه (راجع: الخطوة الثالثة في «صفقة القرن»: توطين اللاجئين في مصر والأردن، العدد 3555 في 2018/9/3)، خصوصاً أبناء قطاع غزة الذين لا يعاملون كأبناء الضفة الغربية ولا الفلسطينيين المجنسين (برقم وطني)، علماً أن عمّان ترى أن مسؤولية هؤلاء تقع على القاهرة، بوصف غزة أقرب إلى مصر وكانت تحت سيطرتها في عقود سابقة. وفي تموز/ يوليو الماضي، كلفت الحكومة الأردنية «دائرة الأحوال المدنية والجوازات» إعداد قاعدة بيانات لأبناء غزة وحصر أعدادهم، علماً بأن هناك مسحاً سكانياً كبيراً كانت قد أجرته «دائرة الإحصاءات العامة»، ليبدو الأمر كأنه متعلق ببعض الحقوق الممنوحة لأبناء القطاع من أبناء الأم الأردنية، ولكنه صراحة أقرب إلى تحديث بياناتهم ومعرفة أعدادهم الدقيقة «لحاجة في نفس يعقوب».
أما في ما يخص أبناء القدس، فكان لافتاً خَفض الأردن رسوم تجديد الجواز المؤقت لهم من 200 دينار أردني (نحو 280 دولاراً أميركياً) إلى 50 ديناراً (نحو 70 دولاراً)، وهو السعر الذي يدفع المواطن الأردني من أجل جوازه. وأيضاً، سمحت عمّان للمقدسيين بتقديم طلبات إصدار هذا الجواز من القدس أو رام الله من دون الحاجة إلى السفر إلى المملكة. ومع أن هذا الإجراء يسهل الكثير على المقدسيين شكلياً، فإن توقيته (صدر في الرابع من الشهر الجاري) وظروفه تسهّل العمل على تجنيسهم.
شكلياً، حتى الآن، يتطابق الموقف الرسمي الأردني مع موقف السلطة الفلسطينية من حيث رفض الضغوط الأميركية والعربية لقبول رؤية إدارة دونالد ترامب لحل الصراع العربي الإسرائيلي «بعيداً من الطريقة الكلاسيكية»، ولكن تطابق هذا الموقف مع التمسك بـ«حل الدولتين» قد لا يصمد، خصوصاً مع الإجراءات التطبيعية العلنية من الدول العربية وتحديداً الخليجية التي لها ما لها من ضغوط وأوراق ابتزاز على كل من عمّان ورام الله، وذلك في انتظار ما يمكن أن تفعله كل من مصر وسوريا ولبنان والعراق بشأن حملة الوثائق الذين سيعودون إليها خالي الوفاض.