لم يكشف الوقت سرّ اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي، المفقود في ظروف غامضة في محيط القنصلية السعودية في منطقة بشيكتاش، في إسطنبول، أول من أمس. أكثر من 24 ساعة مرّت على الطوق الأمني في محيط القنصلية، وعلى انتظار خطيبته خديجة على بابها، بحثاً عن سؤال واحد: أين جمال خاشقجي؟ سؤالٌ، بات يحمل جملة تساؤلات، تزيد من غموض القضية: هل لا يزال داخل القنصلية، كما يؤكد المسؤولون الأتراك؟ وإذا كان كذلك، فلماذا لم يجده عناصر الشرطة التركية الذين دخلوا، أول من أمس، مبنى القنصلية بحثاً عنه؟ أم أنه خرج من القنصلية، كما يزعم موظفوها؟ وإذا صحّت مزاعم السعوديين، فماذا إذاً عن تحليل جهاز الشرطة «الدقيق» لتسجيل الكاميرات لكل ما جرى حول محيط القنصلية، قبل دخول خاشقجي إليها وبعده، الذي يصرّ على أنه لا يزال داخلها؟ ثم كيف خرج منها من دون أن يراه منتظروه في الخارج، خطيبته ومسؤولو جمعية «بيت الإعلاميين العرب في تركيا»، الذين لا يزالون أمام مقر القنصلية؟

التساؤلات التي تحيط بالقضية، لم توضّحها إجابات المسؤولين السعوديين أو الأتراك، بل زادت تصريحاتهم من تعقيدات المشهد. المتحدث باسم الرئاسة، إبراهيم قالن، قال في مؤتمر صحافي، أمس، إن «المعلومات التي تتوافر حالياً (لدى الجانب التركي)، تفيد بأن الصحافي لا يزال داخل القنصلية السعودية في إسطنبول». وفيما لا تزال الاتصالات جارية بين الجانبين السعودي والتركي، حسب قالن، لم تُظهر الرياض اهتماماً مفترضاً إزاء اختفاء أحد مواطنيها، فلم تطالب سلطات أنقرة بتحمّل مسؤولية الكشف عن مصيره، كما لو أنها تعرف مصير الرجل، بل اكتفت بتصريح موجز، جرى إثر تصريحات قالن، لمسؤول رسمي تحدث إلى وكالة «رويترز»، من دون كشف اسمه، نفى فيها وجود خاشقجي في القنصلية، أو احتجازه من قبل سلطات الرياض، في «صمت مريب» إزاء قضية فقدان مواطن معروف عمل في مواقع استشارية وإدارية في المملكة، رغم دخول الأمم المتحدة والولايات المتحدة على خط القضية، إذ أعرب المكتب الإعلامي للأمين العام، أنطونيو غوتيريش، عن أمله في العثور على خاشقجي «بأسرع وقت، وأن يكون آمناً»، فيما أكدت الخارجية الأميركية أنها تتابع القضية عن كثب، وتسعى «لاستجلاء الأمر»، بعد أن باتت قضية رأي عام أولى في المملكة وفي تركيا، ولا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ ظهر اسم خاشقجي في أكثر من 20 ألف تغريدة منذ بدأ انتشار الأنباء حول انقطاع الاتصال معه، وظهر وَسم (هاشتاغ) حمل عنوان «اختطاف جمال خاشقجي»، وردّ عليه أكثر من 60 ألف تغريدة. لكن عدم اهتمام الرياض بمصير صحافي انتقد سياسات بلاده، لم يعد مُستغرباً من مملكة تحتل المرتبة 169 على لائحة من 180 بلداً، وضعتها منظمة «مراسلون بلا حدود»، للتصنيف العالمي لحرية الصحافة.

فرضيات متوازنة
وبعيداً عن عدم الاكتراث السعودي، ثمة ملاحظات كثيرة أخرى، تدعم الاعتقاد بوقوف الرياض وراء اختطافه، بدءاً من مراجعته الأولى في القنصلية، والطلب منه العودة بعد أيام، رغم اكتمال الأوراق لديه، وإصرار القنصلية على أن يأتي بنفسه، ومنع خطيبته خديجة (قريبة مستشار رئيس حزب «العدالة والتنمية»، ياسين أقطاي)، من اصطحابه إلى داخل القنصلية، ما يرجّح أن تكون الرياض قد خططت لعملية الاختطاف، منذ معرفتها بضرورة قدومه إلى القنصلية، لتوثيق طلاقه حتى يتسنى له الزواج مرة أخرى. في ضوء ذلك، هناك احتمالان لا ثالث لها، إما أنه محتجز داخل القنصلية، أو أن القنصلية أخرجته من دون علم السلطات التركية. وما دام المسؤولون السعوديون يزعمون أن خاشقجي خرج من القنصلية، فيما لم يجد عناصر الشرطة التركية أثراً له حين دخولهم مبنى القنصلية، أول من أمس، تبقى الكرة في ملعب السلطات التركية، حتى تُثبت وجوده داخلها كما تقول، الأمر الذي يُبقي على احتمال أول، هو صحة فرضية ضابط تركي، نقل عنه حساب «محمد الأحمد» في «تويتر» (أكد معلوماته «مجتهد»)، بأن هناك «مخابئ سرية» أو سراديب داخل القنصلية، لم تفتشها عناصر الشرطة حين دخولها. لكن إصرار السلطات السعودية على عدم وجوده في القنصلية، يدعم احتمالاً ثانياً، بأنه خرج من القنصلية، وقد يكون وصل إلى الرياض، وهو الاحتمال المرجح، لأن الرياض لن تخاطر بالزعم أنه غير موجود داخل قنصليتها، بعد أن تأكد قطعياً دخوله إليها، من خلال كاميرات المراقبة.

لم تُظهر الحكومة السعودية اهتماماً إزاء اختفاء أحد مواطنيها في الخارج


اختطاف خاشقجي إذا ثبت، يُعد «جريمة» ارتكبتها السعودية بحق تركيا، بحسب ما قال مصدر مقرب من الرئاسة لوسائل إعلام، فرغم أن القانون يسمح للسفارات باحتجاز مواطنيها في حالات استثنائية فقط، لكن ذلك لا ينطبق في حالة احتجاز خاشقجي، لأن القنصلية لم تستخدم «حقها الديبلوماسي» عند دخوله أول مرة مبناها، كذلك لم يعرف أن خاشقجي كان مطلوباً لدى السلطات ببلاغ لسلطات أنقرة لتسليمه، في إطار اتفاقيات أمنية. في ضوء ذلك، لا تجد أنقرة مبرراً يدفع الرياض إلى سوء استخدام الحصانة الدبلوماسية، إذا كانت تسمح باحتجاز مواطنين داخل القنصلية أمثال خاشقجي، خصوصاً أن بين البلدين تاريخاً طويلاً من التعاون الأمني، آخر تجلياته كان بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016، حين سلّمت الرياض السلطات التركية عشرات المطلوبين الأتراك الذين كانوا في السعودية، بتهمة انتمائهم إلى ما تسميه السلطات «تنظيم غولن»، إذ أرسلت الاستخبارات التركية معلومات عن المتهمين إلى الاستخبارات السعودية، التي عملت على توقيفهم، ومن ثم جرى ترحيلهم إلى تركيا.