بعد دعم ديبلوماسي غربي واسع للموقف التركي، قبيل الجولة الأخيرة من محادثات أستانا (جرت في طهران)، خرج «اتفاق إدلب» من سوتشي ليجمّد العمليات العسكرية في محيط إدلب إلى أجل غير محدد بعد. ورغم أن الاتفاق - في شكله - يحدّ من انتشار الفصائل وقدرتها العسكرية في حدود منطقة «خفض التصعيد» الأخيرة، فإنه يكرّس نفوذ تركيا على تلك المنطقة لتضاف إلى شريط حدودي واسع يمتد إلى نهر الفرات، حالياً. وبمعزل عن مستقبل الاتفاق واحتمالات نجاح تطبيقه من عدمها، فإن الوجود التركي العسكري وما يرافقه من سيطرة على القرار السياسي للفصائل في الشمال السوري، سيثقّل دور أنقرة على طاولة «التسوية السورية»، وسيجعل تفاوضها مع كل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية، وحلفاء كل من الطرفين، مدعماً بأوراق قوة مهمة. هذا الموقع التركي برز في تصريحات لافتة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمس، ربط فيها وجود انسحاب قوات بلاده من المناطق التي تحتلها في سوريا، بإجراء انتخابات يشارك فيها السوريون هناك.

هذا التصريح الأول من نوعه من الجانب التركي، يحاكي المقاربة الأميركية الأخيرة بشأن الملف السوري والانتشار العسكري شرق الفرات. ويتقاطع إلى حد كبير مع رؤية دول «المجموعة المصغرة»، التي (للصدفة ربما) دعيت أنقرة إلى المشاركة فيها أو تعزيز التعاون والتنسيق معها، بالحديث عن المضي بإنشاء «اللجنة الدستورية» والمضي بعدها إلى تغيير الدستور فانتخابات «حرّة ومراقبة». وكما راهنت «المجموعة المصغرة» على ورقة اللاجئين والمناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية، فإن الرهان التركي يصب في الخانة نفسها، مع سيطرة أنقرة على مناطق واسعة تضم عدداً كبيراً من الفصائل والقوى السورية التي في غالبها، منصاعة لمشورة أنقرة السياسية والعسكرية. ويضاف إلى ذلك ما تبنيه أنقرة من شعبية في الشارع، استناداً إلى توليها ملفات المساعدات والتمويل والخدمات في الشمال السوري.

جوزف فوتيل: تسليم منظومة «S 300» غير مبرّر


وخلال الفترة المقبلة، ستعمل أنقرة على استغلال فترة الاستقرار في إدلب، للعمل وفق خطة مشابهة لما جرى في مناطق ريف حلب الشمالي، مستندة في نقاشها مع الجانب الروسي إلى زخم غربي واسع ضد أي تصعيد في إدلب. وبذلك تراهن تركيا وفق ما أوضح المتحدث باسم الرئاسة إبراهيم قالن، على أنها لن تسمح بتدفق موجة جديدة من اللاجئين من إدلب، وذلك عبر عمل واسع تتولاه الاستخبارات التركية مع مختلف الفصائل «المعارضة وغيرها»، على حد تعبر قالن، لوضع «اتفاق إدلب» على سكة التنفيذ. وتناقلت أوساط معارضة خلال اليومين الماضيين، ما مفاده أن الجهد التركي عبر وساطة من «هيئة تحرير الشام»، تمكن من تأجيل تصعيد على جبهة ريف اللاذقية الشمالي، كان يخطط له عدد من الجماعات «الجهادية». وتستفيد تركيا من نفوذها الكبير على عدد من أقطاب المعارضة السياسية، لاستخدام ملف اللجنة الدستورية في الضغط على الجانب الروسي. وهو ما بدا واضحاً في حديث وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أمس عن أن «بعض الدول تحاول قلب التوازن (ضمن اللجنة) لمصلحة النظام»، معتبراً أن الحديث هنا يخص «مستقبل بلد.. وهذه فرصة أخيرة من أجل الحل السياسي في سوريا، لذلك علينا أن نستغلها جيداً». وبدوره رأى المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، الذي التقى جاويش أوغلو أمس، أن «اللجنة الدستورية هي التي ستبحث الحل السياسي... وإذا ضاعت هذه الفرصة سنعود للحل العسكري، وهذا قد يكون ميدانياً أو إقليمياً نصراً، ولكنه سيزيد من مأساة اللجوء».
ومع بدء الرهان على قوة النفوذ والتحالفات في دخول مسار «التسوية السياسية»، سيكون لمناطق سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية» في شمال شرقي سوريا، حضور لافت في «البازار» الأميركي - التركي. إذ تركز تصريحات المسؤولين الأتراك الأخيرة على ملف منبج، وتل أبيض وغيرها من مناطق شرق الفرات. وحمل وزير الدفاع التركي خلوصي أكار هذا الملف أمس إلى أعضاء «حلف شمال الأطلسي» في موازاة تصريحات شبه يومية من أنقرة. وفي المقابل، تحاول واشنطن تأكيد التزامها خريطة الطريق الخاصة بمنبج ومحيطها (غرب الفرات)، وتؤكد أن العمل جارٍ لنقل تنفيذ الاتفاق إلى مرحلة «الدوريات المشتركة»؛ وهو ما أكده قائد القيادة المركزية الأميركية جوزف فوتيل. وفي سياق آخر، أشار الأخير في تصريحات للصحافيين في وزارة الدفاع الأميركية، أمس، إلى أن بلاده «لا تسعى إلى الحرب مع إيران، ولا أعتقد أن هذا ما نركز عليه»، مضيفاً أن «الطريقة الرئيسية التي نتبناها تقوم حالياً على الضغط الدبلوماسي والاقتصادي. وأنا أؤيد ذلك، ولا أرى أن ذلك بالضرورة هو الطريق للحرب مع إيران». وبينما اعتبر أن القصف الصاروخي الإيراني على مواقع في دير الزور «طائش وغير آمن وتصعيدي»، علّق على تسليم نظام الدفاع الجوي «S 300» للجانب السوري بأنه «غير مبرر».