هيثم مناع *

تحية | من المؤلم أن يتحدث المرء عن صديق ورفيق درب وهو في المعتقل، خاصة والجميع يعرف الفراغ الذي تركه كل معتقل من المعتقلين والمعتقلات الذين تركوا بصماتهم ورأيهم في الوجدان والوعي السياسي لغير المعتقلين. فكم من مرة لم أقرر في موضوع قبل أن أسأل نفسي: ما هو رأي عبد العزيز الخيّر صديق الطفولة ورفيق النضال من هذه القضية؟ ما هو رأي إياس عياش هذا المناضل العصامي في عائلة مناضلة وقفت ضد منظومة الاستبداد لعقود؟ ما هو موقف الشباب وموقف مناضل مثل الغائب الحاضر ماهر طحان من موضوع مثل وفد المعارضة إلى مؤتمر جنيف؟ في أي زنزانة تنام زوجته يارا فارس اليوم؟ وأين هي أليس مفرج بعد توقيفها قبل أيام في عين المكان الذي منه خطف رجاء الناصر؟ هل يمكن أن نكون أمناء لكل المعتقلين والمخطوفين دون أن نسأل النفس عن مواقفهم في مواقف صعبة وحرجة من تاريخ سوريا؟ وهل من الشجاعة أن تستشرس أي سلطة في العالم على مناضلين ديمقراطيين اختاروا المقاومة المدنية سبيلاً ورفض الطائفية والمذهبية بكل أشكالها تعريفاً لمواطنيتهم ورفض التدخل الخارجي بانسجام كامل مع مفهومهم للوطن والسيادة؟ هل يحق لسلطة في الكون تدّعي مواجهة الإرهاب مواجهة الحركة السياسية المدنية داخل حدودها بالإرهاب عينه؟ كيف يتمكّن سجّان الوطن والمواطنة من أن ينام قرير العين أو أن يتحدث في الدفاع عن الوطن والمواطن؟ أليس وجود المعتقل المدني والمعتقل السلمي في السجون، والمرء يتحدث عن عشرات آلاف الأشخاص وليس فقط القياديين المعروفين، وصمة عار في وجه تسلط لم يعرف غير السيف والنطع وسيلة للتفاوض مع معارضيه؟

لا أنسى وأنا أتحدث مع رجاء عند فقدانه ابنه طارق تماسك المناضل ورباطة جأش
الأب. لا أنسى جلسات الحوار مع باقي أطراف المعارضة في القاهرة في خريف 2011 يوم كان رجاء يحاور بأخلاق الحوار والحرص على الوطن. لا أنسى كيف بصقت في وجه ذاك التافه الذي تحدث عن معارضة الداخل «الواقعة تحت سقف النظام» ورفضت متابعة الحوار معه فقال لي رجاء: «أنا سأتابع معه هيثم علينا التعامل معهم بأخلاقنا لا بأخلاقهم». كيف دافع عن قيادي في المجلس الوطني اتهم رجاء بالتعامل مع المخابرات بالقول: «كلنا ضحايا والضحية أحياناً تتحدث بانفعالاتها لا بعقلها».
كم ضحك يوم قرأ في أحد المواقع «الثلاثي عبد العزيز الخير ورجاء الناصر وهيثم مناع يسيطر على هيئة التنسيق»، وقال: لو يعرف هؤلاء أننا نذرنا أنفسنا لقضية وأن احترامنا لحسن عبد العظيم والمكتب التنفيذي أكثر من أي شيء آخر لكانوا تعلموا درساً في الديمقراطية بدل إضاعة الوقت بنسج مؤامرات وهمية في العالم الافتراضي».
جمع أبو طلال بين الكفاءة التنظيمية والكفاءات السياسية. لذا كنا نسميه دعابة «الحارس الأمين للنظام الداخلي» لأنه انتخب لمنصب أمين السر في معظم تجاربه السياسية والمدنية. ورغم كل بؤس الأوضاع امتلك القدرة على الجمع بين إيمان بالله وحرص على الواجبات الدينية وفهم حديث ومتنور للدين وعلاقته بالمجتمع.
وفي أكثر اللحظات محاصرة بالوقت والمواعيد كنا نسرق لحظة لإنسانيتنا في جلسة مقهى أو سماع مقطوعة موسيقية أو قراءة كتاب.
دربنا طويل يا رجاء ولقاؤنا قريب، نحن بانتظارك، ستأخذ بضع ساعات إجازة مع العائلة، ثم نعود لاستنفارنا الذي تعودت عليه.
* رئيس «هيئة التنسيق» في المهجر