زهرة شامية *

تحية | من الواضح أنّ ثمّة قراراً لدى النظام بإضعاف «هيئة التنسيق»، وإبعادها عن المسرح السياسي والتفاوضي. الملفت في الموضوع أنّ الحملة ضد الهيئة تأتي في سياق هو الأكثر تعقيداً منذ فترة، فالسلطة «لم يسبق لها» طيلة الأزمة أن تعرّضت للمعارضة الوطنية الداخلية بهذا الشكل، وحين اعتقل عبد العزيز الخير ورفيقاه إيّاس عياش وماهر طحّان قبل سنة ونصف السنة من الآن لم تكن الأمور قد وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم. حينها لم يكن مطروحاً أصلاً الذهاب إلى التفاوض حول المرحلة الانتقالية، وبالتالي بدا مفهوماً أن لا تكون الخشية كبيرة من أطراف مستقلّة كالهيئة.

أطراف تطرح نفسها كبديل عن النظام والمعارضة الخارجية المرتبطة بالغرب والخليج معاً. وهذا بالضبط ما نقلنا إلى المرحلة التالية من الصراع حيث الخشية من المستقلّين هي العنوان الأساسي. فهنا توارت العوامل الداخلية لصالح أخرى خارجية، وهذه الأخيرة تملك من فائض التمويل ما يجعلها تبتلع الداخل ولا تستلبه فحسب، ولأنّها خارجية بالكامل ومنبتّة الصلة بالحراك المدني الديمقراطي في الداخل لم تجد في مواجهتها إلّا جسماً صلباً وصعب المراس يسمّى هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي. طبعاً، فهذا جسم غير مرتبط عضوياً بقوى إقليمية ودولية كما هي الحال مع معارضات أخرى، ولا يعنيه بالأساس تحصيل مكاسب خاصة أو سلطوية من موضوع التواصل مع الخارج. جلّ ما يفعله أنّه يستخدم نفوذه المعنوي ورصيده الأخلاقي والنضالي للضغط على رعاة النظام والمعارضة الخارجية من أجل إيجاد هوامش تسمح بنقل الصراع من حيّزه الحربي العبثي إلى الحيّز السياسي. ولذلك يبدو معنيّاً أكثر من غيره بموضوع التفاوض على المرحلة الانتقالية، فمع التفاوض على نقل السلطة تنفتح قنوات بقيت مسدودة طيلة سنوات ثلاث، ويصبح ممكناً معاودة العمل النضالي على الأرض. وهذا ما لا تريده الأطراف المهيمنة على المشهد حالياً، سواء داخل السلطة أو داخل المعارضة الخارجية. ويترجم ذلك لجهة النظام عبر الإسراف في عمليات الاعتقال وتحويلها من عملية انتقائية وعشوائية إلى عملية منهجية تستهدف تصحير البنى الأساسية للمعارضة الداخلية وتصفية كلّ رموزها الميدانيين. يحدث ذلك بالتوازي مع احتدام الصراع ميدانياً، والانتقال به إلى حيّز تجميع الأوراق وتسليمها للراعيين الروسي والأميركي. صحيح أنّ الهيئة لا تتبع سياسياً لأيّ طرف خارجي، وأنّها أكثر ندّية بكثير من الآخرين في علاقتها مع الخارج، وخصوصاً روسيا وإيران، إلا أنها تفهم الممكنات السياسية جيداً وتوظفها في خدمة النضال الميداني داخل البلد. على هذا الأساس تتصرّف الهيئة في علاقتها مع روسيا، فهي بخلاف الائتلاف والمجلس الوطني سابقاً لا تملك أوهاماً حول قدرة الشعب وحده على إرغام النظام على التراجع، وخصوصاً في ظلّ وضعية الانقسام التي تحكم عملياً الوضع في البلد وتخضعه لآلياتها. ولذلك بدت حركة الهيئة منذ البداية أكثر عقلانية في التعاطي مع الحقائق الدولية الجديدة. وهذا ما حاول رئيس هيئة التنسيق في الخارج هيثم منّاع إيضاحه للسوريين، والمنتفضين منهم بالتحديد، بالقول إنّ التوجه إلى روسيا أفضل وأكثر جدوى من التعويل على الغرب. بدا الأمر معقولاً وممكناً بالفعل مع تنظير الرجل ومن معه للمسار السياسي ووضعه شعارات الهيئة الثلاث في واجهة نضالها الميداني: لا للتدخّل الخارجي، لا للطائفية، لا للتسلّح. لكن مع الوقت ومع انعطاف الصراع أكثر فأكثر باتجاه الحرب أصبحت الهيئة محرجة تجاه قاعدتها الاجتماعية والسوريين عموماً، ولم يعد ممكناً التعويل على نظريّتها القائلة بالضغط على النظام عبر حلفائه ورعاته الدوليين. بدأت القصّة بالتحوّل مع اعتقال عبد العزيز الخيّر ورفيقيه اياس عيّاش وماهر طحّان أثناء عودة الأول من زيارة «رسمية» ومعلنة له إلى حليف السلطة الآخر: الصين. وما لبثت أن تمدّدت باتجاه المستويات الميدانية والقاعدية (رامي هنّاوي)، قبل أن تتكرّس وتتجذّر نهائياً عشيّة «جنيف 2» كنهج وحيد في تعامل السلطة مع الكوادر الميدانية لهيئة التنسيق (رجاء الناصر، يارا فارس، عمر الشعّار، عمر عبيد، أليس مفرّج...). ليس ثمّة غرابة في الأمر كما نتوهّم، فمسار الصراع كان سيفضي في النهاية إلى هنا، وهو ما كان على الهيئة أن تتوقّعه وتتحوّط له، فهي لا تتعامل حاليّاً مع سلطة تقليديّة يمكن الضغط عليها كيفما كان، وإلّا لماذا تكون الحرب أساساً. بهذا المعنى يصبح مفهوماً أن يصرخ الرجل الرصين والشجاع هيثم منّاع على المنابر احتجاجاً على همجية النظام واعتقاله لرفاقه وأبناء شعبه. فهذا هو كل ما يملك أن يفعله إزاء السلطة في طورها الوحشي الحالي. أمّا لماذا لم يعد يقدر على فعل المزيد فلأنّ طبيعة السلطة نفسها قد تغيّرت، وبالتالي أصبح كلّ الرفاق وليس هيثم وحده عاجزين عن إجبارها على تعديل موقفها من المعارضة الوطنية في الداخل. لهذا السبب أيضاً لم تعد استراتيجية الهيئة تصلح لقراءة الواقع الذي خلقته الحرب وعدّلت في وقائعه، هذا من دون أن نتحدّث عن التعامل معه ونقله إلى أروقة «الدبلوماسية الدولية»!
ما يحدث هنا أننا تخطينا جنيف بشقيه الأول والثاني منذ فترة، ودفنّاه حتى قبل أن يولد. وهذه قراءة يتوافق عليها طرفا الصراع الأساسيين: النظام والمعارضة المسلّحة بفصائلها المختلفة. على هيئة التنسيق وباقي أطراف المعارضة الوطنية في الداخل أن تفهم ذلك، لأنّها إن لم تفعل، ستبقى تدفع الثمن لوحدها ومن عرق كوادرها وأعصابهم وصحّتهم. وعندها سيصبح المزيد من التعويل على روسيا و«مونتها على السلطة» إسرافاً ليس في الأحلام فحسب، وإنما في الأوهام أيضاً. الآن تأكل الحرب من سلطة المعارضة المسلّحة، وفي انتظار أن تنهيها قريباً لا بدّ من توقّع شيء مماثل بالنسبة إلى النظام. حينها فقط، وبعد أن تنهي الحرب دورتها، يمكن التعويل مجدداً على الدبلوماسية وعلى الهوامش التي ستخلقها وتجعلها متاحة أمام الجميع، بمن فيهم هيئة التنسيق وكوادرها الشجاعة والصامدة في سجون السلطة.
* ناشطة سورية ــ دمشق