ليس تفصيلاً أن تصدر محكمة استئناف لبنانية قراراً قضائياً، يقضي بقبول تسجيل حالة تحول في جنس مواطن لبناني. فالمسألة في بلد غربي قد تحمل بعداً إنسانياً وحسب. أو قد تتخذ في بعض المجتمعات الصناعية، طابع النقاش حول الإسقاطات القصوى لقرارات من هذا النوع، على مسألة الحياة أو الموت. انطلاقاً من مجال أخلاق الحياة الدارجة جداً منذ مدة في البلدان المتطورة، حيث صار هذا العلم ميداناً لجدل شبه البيزنطي، بحثاً عن خيط قانوني أو واقعي، يمكن وضعه بين العلم وبين "إتيك" الحياة البشرية. يتفكرون هناك، أنه إذا سلمنا بحق الشخص البشري "في احترام حياته الخاصة"، وأنه إذا وصلنا من هنا إلى حق هذا الشخص في "إمرة النفس" الكاملة (Autonomie Individuelle)، عندها من يقدر على تحديد ذلك الضابط الوضعي بين الحق في الحياة والحق في الموت؟ جدل من النوع نفسه الذي انطلق مع بدايات البحث في الحق في الإجهاض. انطلاقاً من حق المرأة المقابل في جسدها. يومها، كان السؤال: لو سلمنا بحق أم في إجهاض جنينها، استناداً إلى حقها الكامل في جسدها، فما الذي يمنع أن يؤسس هذا المنطق لحركة قانونية واقعية، تصل إلى الحق في قتل أي إنسان آخر، لأي سبب آخر يجده المجتمع مقبولاً منه أو من أكثرية فيه؟ فالجنين في مفهوم أصحاب ذلك الجدل، إنسان. كامل الإنسانية. يعتبرون أن ما يحدد مفهوم الشخص الإنساني، ليس عمره، ولا وزنه، ولا طول قامته. ما يحدد إنسانيته، هو كينونته إنساناً. تلك الكينونة المؤرخة منذ لحظة اللقاح. وبالتالي، إذا سلمنا قانوناً بقتل إنسان ــ جنين، من يضمن ألا نصل في يوم آت إلى منطق أن الإنسان الذي يتخطى عمراً معيناً، يحق لنا التخلص منه أيضاً. لأنه تحول عبئاً على مجتمعه، تماماً كما يمكن للجنين "المقتول" أن تعتبره أمه عبئاً على جسدها، أو يعتبره والداه عبئاً على عائلتهما. والنقاش نفسه واكب مفهوم الموت الرحيم أو أوتنازيا. لأن المطلق ههنا مطلق كامل. إذا سلمنا اليوم بحق أم أو عائلة، بقتل جنين أو مريض، أليس الحق نفسه يمكن أن يتطور في العقل النسبي للحقيقة وللحق، ليصير قتلاً لأي إنسان؟

السجال نفسه يمكن أن يساق في حالة قبول التحول الجراحي للجنس، من رجل إلى امرأة أو العكس. فإسناد ذلك إلى حق الشخص البشري في التحكم في نفسه وجسده، قد يراه بعض الغلاة درباً صوب تشريع الانتحار، أو حتى قوننة قتل الآخر من قبل الآخر الجمعي، أي المجتمع أو الدولة. وهو ما يتناقض، حتى لدى دعاة الثقافة الحقوقية الإنسانية، مع الضابط الدولي الأعلى لحقوق الفرد وحرياته. ألا وهو فلسفة المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تحدد أنه "يخضع الفرد في ممارسة حقوقه وحرياته لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته واحترامها، ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة والأخلاق، في مجتمع ديمقراطي". أي إنه لا حدود لممارسة الشخص حقوقه وحرياته، لا في القانون ولا في قيود المجتمع والآخرين، إلا ما يمكن أن يضرب النظام العام والمصلحة العامة والأخلاق، مع الشرط الصريح في أن من يحدد هذه هو المجتمع الديمقراطي لا سواه.
القرار القضائي الصادر عن محكمة لبنانية يلامس هذه المسائل. وهو قد يثير جدالاً أو سجالات حول مستنداته كما حول إسقاطاته القانونية والواقعية، لكن إيجابية كبيرة تظل كامنة في هذا القرار، وتكفي لتأييده. ذلك أن كل الكلام السابق، يمكن أن يصح في دولة مدنية. أو في مجتمع "دنيوي"، فيما نحن في دولة أخرى ومجتمع مغاير. فبمعزل عن نصوص دستورنا وقوانيننا وتدليسات سياسيينا، يظل الأكيد المؤكد، أننا نعيش في دولة دينية، أو حتى تيوقراطية مقنعة، حيث أنماط ولادتنا ونمونا وتشكيل عائلتنا وآليات بنوتنا ووفاتنا وأرضنا ومالنا وإرثنا وكل حياتنا، يحددها "دينيون" موظفون لدى الدولة، بأمر من آلهة ما. وهو ما جعل حياتنا العامة، في السياسة والاقتصاد والتربية والثقافة وكل تعبيراتها، معركة إلهية مسرحها الأرض، فيما غرفة عملياتها سماوات ما، ونتيجتها قتل البشر والمجتمع والدولة، أما أمراء حربها وجناة ثرواتها، فكل الطغمة الأوليغارشية التي تحكمنا.
في واقع كهذا، يأتي حكم محكمة الاستئناف بقوننة التحول الجنسي لأي مواطن لبناني، ليحدث ثغرة أخرى في جدار الدولة الدينية المستترة القائمة عندنا. ثغرة تضاف إلى إنجاز زواج نضال وخلود، وإلى نزول الشباب اللبناني إلى الساحات دفاعاً عن حقه في بيئة نظيفة من فساد النفايات، وعن كرامته في دولة نظيفة من فساد سياسات المافيات. هكذا يصير قرار التحول الجنسي خطوة أخرى على درب تحويل جنس مجتمعنا ودولتنا، من مزرعة المساكنة بين شياطين السياسة وساسة الآلهة، إلى وطن على اسم الحرية وحق الإنسان. بعدها، بعد أن نتحول وطناً، يمكننا الانهماك بهموم أن يؤدي تحولنا الجنسي إلى خطر على الفرد. المهم أن ننقذ شعبنا الآن من خطر تحوله إلى جنس منقرض في مزرعة مافيا الأحمر والأسود.