تحية | حقيقة؛ أجد صعوبة كبيرة في الحديث، عداك عن الكتابة، عن أشخاص بعينهم، مديحاً لهم بصورة خاصة، خشية الوقوع في فخ التملق أو المداهنة، أو أن اتهم بهما، لكنها شهادة للتاريخ أتحمل مسؤوليتها. وعموماً يستطيع كثير ممّن سوف يقرؤون هذه الشهادة معايرة الصدق فيها، لأنّ الموضوع يتعلق بشخصين معروفين على نطاق واسع في سوريا.

لقد تعرفت إلى الدكتور عبد العزيز الخير والأستاذ رجاء الناصر من خلال العمل المشترك معهم في هيئة التنسيق، قبل ذلك كنت أسمع بهما فقط، فوجدت فيهما كل صفات ومزايا القادة الوطنيين الكبار: التواضع، والذكاء، وحضور البديهة، والإحاطة المعرفية، والرصانة في الحديث، والاندفاع للعمل بلا كلل، والشعور العالي بالمسؤولية، والمصداقية...

لم يعرف عنهما المجاملة في جميع المسائل التي كانت تعرض على المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق، بل المسؤولية العالية. لقد شغل الخير مسؤوليات عديدة في قيادة الهيئة، كان آخرها، ترأسه لمكتب العلاقات الخارجية، في حين شغل الناصر رئاسة مكتب العمل اليومي، ورئاسة مكتب أمانة السر في المكتب التنفيذي. إضافة إلى ذلك فقد كانا يشاركان في الوفود الخارجية للهيئة، وفي اللقاءات التي كانت تجريها مع زوارها من الدبلوماسيين الأجانب، إلا في حالات نادرة، لسبب بسيط يتعلق أساساً بالكاريزما التي كانا يتمتعان بها.
للأسف الشديد لم يدم عملي المشترك مع الخير أكثر من نحو عام ونصف العام بسبب اعتقاله من قبل مخابرات النظام، لكنها كانت مدة كافية لتكوين ما سردته عنه من انطباعات. أما بالنسبة للأخ رجاء فقد رافقته مدة أطول، إذ لم يعتقل إلا منذ نحو شهرين من قلب دمشق، وكان يتحضّر للقيام بزيارة خارجية في جنيف، مع الأخ هيثم مناع. وبحكم كوني كنت أنام غالباً في مقر الهيئة حيث كان يسكن وينام الأخ رجاء، فقد سمح لي ذلك أن أتعرف إلى جوانب شخصية أخرى من طبيعته. لقد تعجبت من قدرته على المثابرة على العمل، فما إن ينتهي اجتماع المكتب التنفيذي الذي كان يستمر غالباً لمدة تزيد عن الساعات الست، ويغادر أعضاء المكتب المقر، حتى ينكب على صوغ محضر الاجتماع، والقرارات التي اتخذها المكتب التنفيذي، وكذلك البيان الصحفي الذي سوف يوزع على الصحفيين في المؤتمر الصحفي الدوري للهيئة الذي دأبت على عقده بعد كل اجتماع، وذلك بحكم كونه أميناً للسر. وعندما كنت أطالبه بأن يأخذ قسطاً من الراحة، كان يجيبني أنه لا يستطيع أن يرتاح إلا بعد أن ينجز كل العمل المطلوب منه. وكان يضيف، بشيء من الدعابة، ثم عليّ أن استفيد من وجودك لمراجعة ما سوف أكتبه. كان رجاء يتميّز بقدرة كبيرة على صوغ بيانات المكتب التنفيذي ومحاضر اجتماعاته والقرارات التي أتخذها، شديد الحرص على التقيّد بما تم الاتفاق عليه حتى ولو كان غير مقتنع به في بعض الأحيان. وما إن يقدم لي ما يكتبه لأراجعه، حتى كان يبادرني بلهجته الحلبية المحببة: «خيو بين ما تراجعهم... أنا رح حضر العشا». وعندما كنت أهم لمساعدته كان يأمرني، نعم يأمرني، لأجلس لقراءة ما كتبه، وكنت في بعض الأحيان أجد نفسي مضطراً لإطاعته. الدكتور عبد العزيز الخير من مدينة القرداحة، وهو من عائلة معروف في الساحل السوري، حكم عليه بالسجن لمدة اثنين وعشرين عاماً، في عهد حافظ الأسد، قضى منها نحو ثمانية عشر عاماً في سجون النظام، بتهمة عمله السياسي والوطني في إطار حزب العمل الشيوعي. أما الأستاذ رجاء الناصر فهو من مدينة حلب، التي عمل فيها قاضياً لسنوات عديدة، عرف عنه خلالها بالنزاهة، وهو الآخر زار سجون النظام مرات عديدة. ورغم بعد المسافة بين حلب والقرداحة واختلاف البيئات التي عاش فيها كل من عبد الخير ورجاء، واختلاف الإيديولوجيات التي يؤمنان بها، إلا أنهما، في ذاتهما، يمثلان قادة وطنيين كبار من بلدي، غيّبهم نظام مستبد ظالم في أقبية سجونه، في وقت، بلدهم في أمسّ الحاجة إليهم. عبد العزيز الخير ورجاء الناصر تليق بكما الحرية.
* رئيس مكتب الاعلام في «هيئة التنسيق»