في مفاجأةٍ مدوية وغير متوقعة، فاز إبراهيم محمد صليح، عن «الحزب الديموقراطي» المالديفي، والمرشح المشترك للمعارضة، بانتخابات الرئاسة في البلاد، بعدما خاض حملة ضد الرئيس الحالي، عبد الله يمين، الذي اعترف بهزيمته قائلاً: «مواطنو المالديف قرروا ما يريدون. وأنا قبلت النتائج». وبحسب النتائج الرسمية، فإن صليح تقدم على منافسه بحوالى 34 ألف صوت، حاصداً 58,3 في المئة من الاصوات، في بلدٍ لا يتجاوز عدد سكانه الـ 350 ألف نسمة، ليفشل يمين بذلك في التجديد لنفسه ولاية ثانية، مدتها خمس سنوات.

على الرغم من الدعم السعودي، المالي والسياسي، فإن يمين لم ينجح في تخطّي خصمه صليح، ليصبح الأخير بشكل رسمي الرئيس السابع للبلاد، بعد رفض المحكمة العليا إلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت الشهر الماضي.
الرياض أعلنت قبيل الانتخابات أنها سوف تستثمر 10 مليارات دولار أميركي في المالديف، متعهدةً بتقديم تسهيلات قروض لخمسة أعوام تبلغ قيمتها 300 مليون دولار. وسبق ذلك تقديم 50 مليون دولار لبناء مشروع سكني يتم تنفيذه عبر الجيش المالديفي حصراً. وعلى الرغم من الدعم، فإن فشل السعودية في إنقاذ حليفها يعود لأسبابٍ عديدة، أبرزها أنه لم يخرج من إطاره الدعائي في الكثير من جوانبه، إلى جانب فضائح الفساد والنهب لمقدرات الدولة التي رافقت حكم يمين.
عانت جمهورية المالديف خلال السنوات الأخيرة من عمليات فساد وغسيل أموال واختلاس طاولت أرباح قطاع السياحة، الذي تشتهر به البلاد، والذي يكاد يكون مصدر مدخولها القومي الوحيد. ففي عام 2016 كشفت تحقيقات أعدّتها قناة «الجزيرة» تحت عنوان «مالديف... الجنة المسروقة»، أن وزراء الرئيس يمين ومساعديه خططوا لغسل ما يقرب من 1.5 مليار دولار أميركي من خلال البنك المركزي في المالديف، وذلك «بمساعدة رجال أعمال سريين من سنغافورة وماليزيا وأندونيسيا». وتضمنت العملية خطة لنقل ما يقرب من 100 مليون دولار نقداً عبر الجو في كل مرة، وإمرار المبالغ عبر سلطة النقد المالديفية ثم إعادة تحويلها إلى الخارج. إلى ذلك، كشفت رسائل نصية، استخلصت من هواتف نائب الرئيس، أحمد أديب، عن إصداره أوامر بتفجير قناة تلفزيونية معارضة في 2013، كما تآمر مع الشرطة من أجل إشعال مكتب حكومي يؤوي ما يقرب من مئتي موظف. وكان نياز إبراهيم مستهدفاً في هذا الهجوم، وهو المدقق العام الذي كان يحقق بضلوع نائب الرئيس في الفساد.

موّلت الرياض مشاريع التعليم الديني في الأرخبيل


كما كشفت التحقيقات دليلاً يربط رئيس المالديف بأكبر فضيحة فساد في تاريخ البلاد، حيث جرت سرقة ما يقرب من 80 مليون دولار من ريع عقود الإيجار المبرمة، حول المنتجعات الفارهة، التي كان الرئيس يستحصل على عوائدها لنفسه. وقد حصلت قصة غريبة في عام 2014، غير بعيدة عن تلك الاتهامات الموجهة للرئيس يمين، حين فوجئ بعض السياح الأجانب برسائل من منتجعات «Paradise»، تشير إلى أن حجزهم قد تم إلغاؤه، والسبب هو أن الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز حجز المنتجع كله، لمدة ثلاثة أشهر، في حين أن هذا المنتجع يحتل ثلاث جزر كاملة من المالديف. هذه الزيارة نتج منها منح السعودية «قرضاً» قيمته 300 مليون دولار أميركي لمدة خمس سنوات، لم يُعثر على أي أثر له. وفي عام 2017، ذكرت تقارير أن صندوقاً تموله السعودية تقدم بمقترح لمشروع سياحي كبير على جزيرة مرجانية، إلا أنه لقي رفضاً من المعارضة التي وصفت المشروع بأنه «زحف استعماري سعودي» على البلاد. ولتسهيل الاستثمارات السعودية تلك، أقرت حكومة يمين قانوناً يسمح للأجانب بامتلاك الأرض للأبد في حال القيام باستثمار يصل إلى مليار دولار، فيما يشبه بيع الجزر للسعودية التي تسعى إلى موطئ قدم جيوسياسي قريب من الصين والهند، لأهداف نفطية بالدرجة الأولى. ففي آذار عام 2018، وافقت الحكومة المالديفية على طلب الملك سلمان بناء قاعدة بترولية للسعودية، تمكنها من تصدير النفط إلى الصين، على أن تكون المالديف المحطة الواصلة بين الرياض وبكين.
لم تقتصر الخطوات السعودية على ذلك، بل سعت الرياض إلى السيطرة «الدينية» على الأرخبيل الواقع في المحيط الهندي، ذي الأغلبية المسلمة، حيث حصلت المالديف عام 2016 على 100 ألف دولار «هبة» من أجل تدعيم «التعليم الإسلامي»، واستضافة «باحثين إسلاميين سعوديين» لدعم العملية التعليمية الإسلامية، وتقديم ما يقرب من 50 منحة دراسية كاملة للطلاب من جزر المالديف للدراسة في الجامعات السعودية. التغلغل في «المؤسسة الدينية» لجزر المالديف دفع المعارضة إلى الشكوى من أن البلاد «تشهد حالة حصار من خلال استراتيجية منظمة ومحكمة رسمها متطرفون إسلاميون بهدف السيطرة الكاملة على إدارات الدولة». وجاء ذلك بعد إعلان الرئيس يمين حالة الطوارئ في البلاد لمدة 15 يوماً، في شباط الماضي، واقتحام قوات الأمن للمحكمة العليا، واعتقال رئيسها عبد الله سعيد، وقاضياً آخر، بذريعة أن الأخيرة تحاول إسقاط الحكومة، بعد رفضها عدم تنفيذ أمر المحكمة بالإفراج عن زعماء المعارضة. وبموجب حالة الطوارئ، وضِع البرلمان تحت حراسة الجيش في خطوة استباقية لتجنب التصويت، بعدما منح قرار المحكمة إعادة الأغلبية للمعارضة في البرلمان، المكون من 85 مقعداً، ما يمنحها القدرة على سحب الثقة من الرئيس يمين وحكومته. واللافت أنه، في الفترة ذاتها، أعلنت الرياض وأبو ظبي تقديم منحة مالية قيمتها 160 ألف دولار لماليه (عاصمة المالديف).
التبعية لسياسات السعودية، التي فرضها يمين على بلاده، بدت واضحة في مسارعة الحكومة المالديفية إلى التضامن مع الرياض في أزمتها مع الدوحة، العام الماضي، وإعلانها قطع علاقتها مع الأخيرة.
وبخسارة يمين، تنتهي حقبة سياسية في البلاد، اشتهرت بالفساد والاعتقالات والنفي بحق المعارضين، لمصلحة حقبة يرفع فيها صليح الذي سيتسلم منصبه الشهر المقبل، شعار مكافحة الفساد، والحريات السياسية والمدنية كأولوية. وينقل المقربون من الرجل تأكيده أنه سيختار طريق المفاوضات والنقاش، على الصعيد الخارجي، وإعادة الاعتبار للرئيس الأسبق، محمد ناشد، المحسوب على تيار «الإخوان المسلمين»، والذي أُطيح من منصبه في عام 2012، لمصلحة يمين. وخارجياً، يطمح يمين إلى «الانفتاح أكثر على الصين والهند، والابتعاد عن سياسة المحاور التي أغرق بها سلفه البلاد». أمّا سعودياً، فبفوز صليح تكون الرياض قد خسرت حليفاً مهمّاً لها في القارة الآسيوية، يضاف إلى خسارتها نواز شريف في باكستان، ونجيب عبد الرزاق في ماليزيا، ما يشي بأن الجولة الآسيوية التي أجراها الملك سلمان، في آذار العام الماضي، والتي شملت دولاً عدة، رسمت أيضاً، وبشكلٍ متسلسل، رحلة الفشل السياسي المتواصلة في القارة.