يعرف جمهور الرقص في لبنان علي شحرور طبعاً. يعرفه راقصاً مع عمر راجح، ويعرفه من خلال إطلالته الكوريغرافيّة الأولى في «مقامات ـــ بيت الرقص» مع «على الشفاه ثلج» (٢٠١١). أعدنا اكتشاف التجربة وقد نضجت وتبلورت في «دنس، موت صغير، حركة أولى» (٢٠١٢، مع إميلي توماس). نذكر جيّداً ذلك الثنائي المعتقل داخل مكعّب الثلج، في مواجهة ميتافيزيقيّة/ حسيّة من وحي العلاقة الأزليّة بين إيروس وتانتوس.


ذلك المشهد كان ينمّ بوضوح عن رؤية قويّة، وحساسيّة فنيّة عالية، وحاجة ماسّة إلى طرح أسئلة حيويّة، وإثارة قضايا مسكوت عنها، هي بين الوجودي والفكري والاجتماعي والسياسي، من خلال كوريغرافيا معاصرة قوامها الابتكار والجرأة والخفَر في آن واحد. لكن علي الذي سنلتقيه الليلة في «مسرح المدينة» (بيروت) مع راقصتيه أمامة حميدو ورانيا الرافعي، قطع مسافات ضوئيّة منذ عمله السابق، وإن احتفظ بالهواجس والأسئلة الأساسيّة، بصوت أم كلثوم والإحالات الى المقدّس، وبمقدرة مترفة على مساءلة الفضاء وإعادة صياغته وتقطيعه بإرهاصات الجسد.
«فاطمة»، بلا تردّد، جوهرة صغيرة، ولحظة مهمّة ومفاجئة في الرقص العربي المعاصر. عمل متقشّف، لكنّه مشحون بالإحالات والمصادر. ثمرة نضج جمالي وثقافي وفكري في التعاطي مع قضايا راهنة، حارقة، حضاريّة وفلسفيّة، من خلال جسد المرأة، حاضن الذاكرتين الجماعيّة والحميمة. يحاول علي شحرور أن يصل بين ثلاث حكايات، وثلاث نساء يسكنّ وجدانه: فاطمة أمّه، فاطمة المطربة أم كلثوم، وفاطمة الزهراء ابنة الرسول وزوجة الإمام علي أم الحسنين. لكن العمل بعيد عن أي هم توثيقي أو بيوغرافي أو ديني بالمعنى الحصري. مجرّد علامات مضيئة وإيحاءات، يبحث الفنان من خلالها عن ملامحه وهويته (هويّتنا)، بين الدنيوي والديني، الحسّي والصوفي، الأرضي والغيبي، المكشوف والمحجّب، الطرب والابتهالات الروحيّة. يغرف علي من واقع مركّب ومعقّد. يمشي بصدق فوق الخيط الرفيع الذي يفصل المقدّس عن المدنّس، الانخطاف عن الشهوة. يتقدّم بمهارة وحياء ودقّة وسيطرة وتحكّم داخلي، فلا يشرد نحو سهولة استعراضيّة أو يقع في مطب استشراقي في تعاطيه مع مخزون عربي ـــ إسلامي ثقافي وأنتروبولوجي.
بلغة احتفاليّة (نسبة إلى جماليّات «المسرح الاحتفالي»)، يكتب الكوريغراف الشاب لراقصتيه الآتيتين من المسرح والسينما، حركات وخطوات، تستعير برشاقة وطلاقة من الرقص الشرقي، والطقوس الصوفيّة، وأحوال الأنوثة، والحياة اليوميّة، ومعجم الرقص المعاصر. يسند رؤيته إلى ديناميّة هذا الثنائي الذي يقيم علاقة تناص سريّة مع «خادمتي» جان جينيه، ويتحاور (رقصاً وعزفاً وغناء وتمثيلاً) مع بطلات الإغريق: ميديا وأنتيغونا وإلكترا والأخريات. «فاطمة» دويتو نسوي لراقصتين وثلاثة أطياف. طقس تحييه راقصتان تراجيديّتان بالأسود، تنسجان ومضات من ملحمة طويلة، راهنة ومعاصرة. مدهشة تلك العفويّة في اعادة امتلاك الموروث الجمعي، على خلفيّة جبل من الفحم، وسط كورس الباكيات، وأبيات التعزية، وانتفاضات الجسد ـــ الأنثى المتروك لرغباته وآلامه ومصيره.

يمكنكم متابعة بيار أبي صعب عبر تويتر | [email protected]