كرّس الاعتداء الذي استهدف أحياء في مدينة حلب بقذائف تحوي مواد كيميائية، وما تبعه من غارات روسية على مواقع إطلاقها في محيط المدينة الجنوبي الغربي، ارتباط مصير «اتفاق سوتشي» بالإرادة الروسية ــــ التركية المشتركة للحفاظ عليه بمعزل عن التصعيد الميداني. هذا الواقع اتضح منذ إعلان تركيا الانتهاء من سحب السلاح الثقيل خارج المنطقة المنزوعة السلاح، وانقضاء مهل المرحلة الخاصة بسحب الجماعات الإرهابية، من دون أي تغييرات تذكر على الأرض. حينها، خرجت موسكو لتؤكد أولوية «نوعية وجودة» التنفيذ على الالتزام بجدوله الزمني. ورغم تصريحات وزارة الدفاع الروسية (قبل هجوم حلب) عن ضرورة إعادة الزخم إلى مسار تنفيذ الاتفاق والحفاظ على ما تم تحقيقه، لم يبرز ما يشير إلى أن التصعيد المحدود ضمن «المنطقة المنزوعة السلاح» المفترضة، قد يقوّض إطار الاتفاق. غير أن مجريات ما بعد الاعتداء في حلب أسهمت في التأكيد على أن روسيا لن تتخلى عن حقها في استهداف الفصائل التي تنتهك التهدئة المفروضة، كما أنها لن تخلّ بتفاهماتها مع تركيا، والتي أتاحت مسار محادثات أستانا، التي تضرب موعداً جديداً، غداً.

وبعد تلميح الجانب التركي، قبل أيام، إلى ضرورة القيام بإجراءات إضافية لتأمين فتح الطريقين الرئيسين بين حلب وحماة، وحلب واللاذقية، أمام حركة النقل والعبور، أفادت أوساط معارضة بوجود تخوف من تحرك لـ«هيئة تحرير الشام» داخل منطقة «خفض التصعيد»، في محاولة لتأمين السيطرة على كامل نقاط طريق حماة ــــ حلب الدولي. ووفق تلك الأوساط، تخشى فصائل «الجبهة الوطنية للتحرير» من محاولة «تحرير الشام» السيطرة على مدينة معرّة النعمان ومحيطها، والتي تعدّ النقطة الأبرز على الطريق خارج نفوذ «تحرير الشام». وفي حال صحّت تلك التقديرات، يحتمل أن تشهد المنطقة تصعيداً جديداً تقوده «تحرير الشام»، بهدف التحكم في كامل الطريق الدولي، وبما يساعد أيضاً في تقريبها من الفصائل «الجهادية» الرافضة لـ«اتفاق سوتشي». وأتى ذلك فيما أعلنت «منظمة حظر الأسلحة الكيميائية» أن الحكومة السورية طلبت منها إرسال وفد إلى موقع سقوط القذائف الحاملة موادّ كيميائية، لتقصّي الحقائق. وأوضح الرئيس الجديد للمنظمة، فرناندو أرياس، أن المنظمة اتصلت بدائرة الأمن في الأمم المتحدة وذلك «لتقييم الوضع الأمني على الأرض من أجل احتمال إرسال بعثة تقصي حقائق إلى سوريا».

«منظمة حظر الكيميائي»: احتمال إرسال بعثة تحقيق إلى حلب


وفي موازاة التطورات الميدانية، ينتظر أن تنطلق غداً، ولمدة يومين، اجتماعات جولة جديدة من محادثات أستانا. وأوضح وزير الخارجية الكازاخي خيرت عبد الرحمنوف، أن كل المشاركين أكدوا حضورهم الجولة، بما ذلك الجانبان الحكومي والمعارض، والدول الضامنة، والمراقبون والأمم المتحدة. غير أنه لفت إلى أن مستوى التمثيل الأممي لم يحدد بعد، إذ لم يتم تأكيد حضور المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، تلك الاجتماعات، حتى ليل أمس. ولم يصدر أي تعليقات حول جدول الأعمال المتوقع لهذه الجولة الجديدة، فيما يتوقع أن يكون ملف إدلب أبرز ما سيناقش خلالها، إلى جانب الملفات الدورية مثل تبادل المعتقلين والمختطفين. وفي تزامن لافت مع اجتماعات أستانا، أعلن «مجلس سوريا الديموقراطية»، الممثل السياسي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، عن الإعداد لتنظيم «حوار سوري ــــ سوري» يشارك فيه ممثلون عن أحزاب وقوى سياسية في داخل سوريا وخارجها. ولا يعتبر هذا المؤتمر الأول من نوعه، إذ سبق أن استضافت مدينتا الطبقة وعين عيسى، في ريف الرقة، لقاءات تشاورية ومؤتمرات مماثلة، غير أنها لم تتجاوز شكل الاجتماعات الاحتفالية، من دون أن تنجح في استقطاب شرائح سياسية وازنة. ويوضح عضو «الهيئة الرئاسية» في المجلس، حكمت حبيب، في حديث إلى «الأخبار»، أن «المؤتمر سيعقد في 28-29 الشهر الحالي، بحضور شخصيات مستقلة وأحزاب سياسية مرخصة، وشخصيات مقربة من الحكومة السورية»، كاشفاً أن «المؤتمر يهدف إلى تشكيل منصة عريضة من المعارضة، للتأسيس لمؤتمر وطني داخلي شامل للحل في البلاد». ويلفت حبيب إلى أنه «سيتم عرض تجربة الإدارة الذاتية، واللامركزية، للمشاركين، لإطلاعهم على النموذج المقترح للحل السياسي وفق رؤيتنا». ويتساوق سعي «مسد»، لخطب ودّ جهات سياسية بهدف التحالف معها وتكوين واجهة معارضة «داخلية»، مع حديث عدد من مسؤوليه عن «عقم» المحادثات الخاصة بالتسوية السياسية، في ظل غياب حضور من جانبه، بصفته يمثل مناطق شرق الفرات. وكان لافتاً أن التصريحات الروسية المطالبة بتمثيل «متوازن» للقوى الكردية السورية، في أي من المحادثات، قد غابت خلال الفترة الماضية. وتقاطع ذلك مع تصريحات تركية تؤكد أن موسكو قاطعت «حزب الاتحاد الديموقراطي»، على عكس الولايات المتحدة الأميركية.