في عزّ الأزمة بين وزارة المال ومصرف لبنان بشأن تمويل عجز الخزينة، طُرحت مسألة تقليص القطاع العام وتجميد سلسلة الرتب والرواتب أو جزء منها. وزير الخارجية، حاكم مصرف لبنان، هيئات رجال الأعمال، المصارف، وغيرهم أيضاً، يزعمون أن ارتفاع العجز سببه الرواتب والتقديمات لموظفي القطاع العام، ما قد يفاقم الأزمة إلى انهيار الليرة. في الحقيقة، هؤلاء يقرّون بوجود «أزمة» ويتوقعون نهايتها. يدركون أن العلاج ليس مجانياً، وهم يمثّلون الفئة التي ترفض أن تدفع. يرفضون أي توزيع عادل للخسائر. يحاولون منع النقاش في تقليص الدين العام كمدخل للتصحيح. لكن معركتهم لن تكون سهلة، في ظل تمسّك القوى التي كان لها الدور الأبرز في إقرار السلسلة بالدفاع عنها.

فتحت مجموعة من رجال المال والمصارف والسياسة، النار على سلسلة الرتب والرواتب التي أقرّت في النصف الثاني من عام 2017 على اعتبار أنها المزراب الأكبر الذي تتسرّب منه أموال الخزينة وتزيد من تورّم عجزها. بشكل خبيث، يربط هؤلاء بين احتمال الانهيار النقدي وتورّم العجز وتنامي كلفة السلسلة. هم في الحقيقة يحاولون التعمية على أمرين: الأول أنها أزمة نظام، والثاني أن الحلول التي يجب مناقشتها لا يمكن إلا أن تكون شاملة. بهذا المعنى هم يريدون تكريس مبدأ مدّ اليد على رواتب الموظفين في القطاع العام، وعلى أجورهم وتقاعدهم وتعويضاتهم، ومنع أي تصحيح يتوجب لاحقاً لأجراء القطاع الخاص. هاتان المسألتان ليستا بسيطتين، بل تصبّان في جوهر الصراع القائم في لبنان منذ عقدين ونصف عقد. الفئات التي تنصّب نفسها خبيرة في «الحلول السحرية» للأزمة تملك النفوذ السياسي والمالي والإعلامي، وهي نفسها الفئات التي استفادت من «مزاريب» الخزينة وراكمت منها ثروات طائلة. هذه الفئات التي تكلّم يوماً باسمها رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شمّاس قبل أن يصبح مرشحاً للنيابة على لوائح التيار الوطني الحرّ، قائلاً: «نحن نُطاع ولا نطيع»، هي نفسها التي تصوّب على السلسلة استباقاً لأي نقاش في توزيع الخسائر العادل بين الأثرياء والفقراء.
المطالبون بتدفيع الحلقة الأضعف، أي موظفي القطاع العام والمتقاعدين، كلفة تصحيح لن يكون سوى «إبرة مورفين» في جسد النموذج المأزوم، لا يزالون قلة، رغم قدرتهم الهائلة على التأثير. الأعلى صوتاً بين هؤلاء اثنان: رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير (صاحب تأثير على الرئيس الحريري)، ونقولا شماس الذي يزداد مستوى تأثيره على رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل، والذي رافقه في زيارته الأخيرة لصربيا. وفي ختام تلك الزيارة، عبّر باسيل عن إعجابه بالنموذج الصربي لجهة خفض رواتب القطاع العام. لكن السعي إلى إسقاط سلسلة الرتب والرواتب لن يكون أمراً يسيراً. فالقوى التي دفعت إلى إقرارها تتأهب للدفاع عنها. وأبرز هؤلاء رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي قال لـ«الأخبار» أمس إن «السلسلة حق للموظفين، ومن يطرح هذا الموضوع يجب أن يعرف أنه شرارة لثورة». وعلمت «الأخبار» أن بري ناقش الأمر هاتفياً مع الرئيس الحريري، «الذي أكد له تمسكه بالسلسلة»!

أزمة «المالية»
في الأسابيع الأخيرة، حصلت تطورات كثيرة؛ من أبرزها اندلاع أزمة بين مصرف لبنان ووزارة المال على خلفية امتناع مصرف لبنان والمصارف عن الاكتتاب بسندات الخزينة الجديدة، أي امتناعهما عن المشاركة في تمويل الدين الجديد الذي تحتاج إليه وزارة المال للإنفاق.
هذا التطوّر كان له حصّة وازنة في حرف الأنظار عن المشكلة الحقيقية. الأمر بدأ في المجلس النيابي حين أعلن وزير المال علي حسن خليل أن مال الاحتياط أنفق كلّه، وبالتالي لم يعد لديه القدرة على الإنفاق إلا مما لديه من أموال في حساب الوزارة لدى مصرف لبنان (الحساب 36). في هذا الحساب، تتجمّع الأموال التي استدانتها الوزارة بواسطة سندات الخزينة من دون أن تستعملها. المبلغ المتوافر في الحساب لم يكن يزيد على 3000 مليار ليرة، فيما حاجات الخزينة لتسديد الرواتب والأجور وسواها من المترتبات المالية حتى نهاية 2018 تزيد على هذا المبلغ.

سلامة كان يريد إبعاد النقاش عن السياسات النقدية وحصر المشكلة بعجز الخزينة


في تلك اللحظات، ضاعت القصة بين من فتح النار ومن تلقاها. الاشتباك بين مصرف لبنان ووزارة المال سلّط الضوء على مشكلة هامشية حجبت الحقيقة بأن مصرف لبنان لديه خطّة محكمة تنسجم مع توجهات هيئات المال والسياسة والمصارف. فقد تبيّن يومها، أنه قد مضت أسابيع على امتناع المصارف ومصرف لبنان عن الاكتتاب بسندات الخزينة، وأن مصرف لبنان لديه 13 ألف مليار ليرة يدفع كلفة الاحتفاظ بها من ميزانيته، أي من المال العام، لكنه لا يريد الاكتتاب بها في سندات الخزينة، بل يحتفظ بها «من أجل تأمين تسديد الرواتب والأجور في القطاع العام» كما قال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة للرئيس سعد الحريري في اللقاء الأخير بينهما، بحضور وزير المال علي حسن خليل.
مزايدة سلامة على وزير المال حملت دلالات مهمة. فهو كان يريد إبعاد النقاش في أصل المشكلة لأنه يطاوله هو وسياساته مباشرة، والتركيز على مسألة عجز الخزينة التي يتحمّل كلفتها خليل بوصفه الوزير المسؤول عن الإنفاق والجباية، وموظفو القطاع العام.

أعطال نظامية
هكذا تم التستّر على أصل المشكلة. وفق توصيف البنك الدولي وتحذيره الأخير، فهي «أعطال نظامية»، أي أنها ناجمة عن مشكلة في آليات النظام. هو أصلاً نظام يتغذّى على تدفق الدولارات من الخارج. تأتي هذه الدولارات إلى لبنان حيث معدلات الفائدة أعلى. تدخل إلى القطاع المصرفي وتتحوّل إلى ودائع بالليرة، فيما يمتصّ مصرف لبنان الدولارات عبر شهادات إيداع أو أدوات أخرى. بهذه المبالغ بالعملة الأجنبية، يكوّن مصرف لبنان احتياطات تساعده على التدخل في السوق لضخّ الدولارات عندما يكون هناك طلب، ولامتصاصها عندما يكون هناك عرض، وهذه الاحتياطات تشكّل ما يسمى «الثقة» التي تساعد على استقطاب المزيد من الدولارات من الخارج التي تستخدم لتثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار. أما الطلب على الدولار، فمصدره الأساسي هو أن لبنان يدفع ثمن السلع والمنتجات التي يستورد معظمها من الخارج.
بهذا المعنى، يصبح واضحاً أحد أوجه أزمة النظام. فمع تقلص التدفقات، ومع استمرار الاستهلاك بالوتيرة نفسها، تستنفد احتياطات مصرف لبنان بسرعة فيضطر إلى اتخاذ إجراءات بعضها غير تقليدي مثل الهندسات المالية، وبعضها تقليدي مثل رفع الفائدة، لإغراء الدولارات وجذبها من الخارج إلى لبنان. وعندما تصبح هذه الأدوات قاصرة عن مواصلة جذب الدولارات، تبدأ الاختناقات في آليات النظام وتظهر عوارض الأزمة البنيوية. ففي مواجهة هذه الأزمة، تحتّم على مصرف لبنان أن يمسك بكل السيولة بالليرة حتى لا تتحوّل طلباً على الدولار، وكان عليه أن يطبع المزيد من السيولة لتنفيذ الهندسات، وأن يدفع كلفة امتصاص هذه السيولة، وألا يسمح للقروض السكنية بالليرة أو أي قروض وتسهيلات أخرى بالليرة، أن تبقى موجودة حتى يخفف من الطلب على الدولار. قام بكل الوسائل المتاحة لديه، ثم رفع الفائدة إلى معدلات لم يشهدها لبنان منذ النصف الثاني من التسعينيات.

77 مليار دولار فوائد
في هذا المجال، يصبح تمويل الخزينة جزءاً بسيطاً من أزمة النظام، وتصبح سلسلة الرتب والرواتب جزءاً أقل أهمية من أزمة عجز الخزينة. فالمشكلة الأساس تكمن في أن هذا النظام، ولكي يستمر، كان عليه أن يستدين، ثم يستدين، ثم يستدين...
الإحصاءات الرسمية تشير إلى أنه بين الأعوام 1993 ـــ 2017 أنفقت الخزينة نحو 216 مليار دولار. توزّع هذا الإنفاق على أربعة أبواب رئيسية: الدين العام وخدمته، الرواتب والأجور، التقاعد والتعويضات، دعم الكهرباء. استحوذت خدمة الدين العام على الحصّة الأكبر من هذا الإنفاق بنسبة 35.6% أو ما قيمته 77 مليار دولار، وتليها الرواتب والأجور بنسبة 21.29% أو ما قيمته 46 مليار دولار، ثم يأتي دعم الكهرباء بنسبة 9.25% أو ما قيمته 20 مليار دولار، والتقاعد والتعويض بنسبة 8.79% أو ما قيمته 19 مليار دولار.
الحصّة الأكبر جاءت من نصيب خدمة الدين العام. الدين الإجمالي كان يبلغ 79.5 مليار دولار في نهاية 2017، أي أن 96% منه كان مجرّد كلفة تكبدتها الخزينة لتسديد العجز.
هناك تبرير واضح لحصّة الرواتب والأجور والتقاعد والتعويضات، فهي تعبّر عن الكلفة التشغيلية للدولة والتي لا مفرّ منها، وهي إن كان هناك مبالغة في بعض جوانبها، فلأن الأمر مرتبط بالتوظيفات السياسية التي تمارسها قوى السلطة. لكن المفارقة أن هذه القوى لا تقوم بهذه المهمة وحدها، بل بالشراكة والتعاون مع رجال المال والأعمال. القسم الأكبر من السياسيين تحوّل إلى رجال أعمال، والقسم الأكبر من رجال الأعمال كانوا في سعي دائم للفوز بلقب «سياسي»، سواء كان نائب أو وزير أو حتى رئيس اتحاد بلديات أو بلدية...
أما العنصر الأكثر أهمية في هذه المسألة، فهو الدين العام وخدمته: 77 مليار دولار دفعها لبنان لتسديد فوائد الدين. والخزينة استدانت كل هذه المبالغ من أجل خدمة هذا النظام فقط. المستفيدون من هذا النظام ومن آلياته هم السياسيون ورجال المال الذين يملكون المصارف والمؤسسات المالية وشركات العقارات. كل هذه الأموال لا تمرّ في أي من آليات الاقتصاد الحقيقي. عامة الشعب، بمن فيهم موظفو القطاع العام يسمعون فقط بهذه الأموال في وسائل الإعلام. يسمعونها على شكل مديح من زعيم أو مصرفي أو منتفع يثني على قدرة النظام على استقطاب الأموال وإدخال الودائع ويسمونها استثمارات أيضاً... المستثمرون هم عبارة عن مضاربين على السندات والودائع والعقارات وحققوا ثروات أيضاً من هذا العمل.

77 مليار دولار من الدين العام بين 1993 و2017 دفعت على شكل فوائد


ومن اللازم أيضاً الإشارة إلى أن ما أنفقه لبنان على الكهرباء، وهو عبارة عن دعم لأسعار الكهرباء التي استفاد منها الأثرياء أكثر بكثير من الفقراء، انتهت بأن هناك أكثر من ألفَي مولّد خاص تعمل اليوم بشكل غير شرعي وتتحكّم بتوزيع أكثر من 10 ساعات يومياً من الكهرباء على منازل السكان ومؤسساتهم. أما معامل إنتاج الكهرباء فهي معروضة للبيع بأدنى سعر وبأعلى مردود ممكن تخيّله. انتهى الأمر بأن الخزينة أنفقت 20 مليار دولار من دون أن تبني معامل بقيمة 5 مليارات دولار، وأنها تواصل استيراد الفيول أويل والمازوت لتشغيل معامل الإنتاج والمولدات، ما يزيد الطلب على الدولار بقيمة 4.5 مليارات دولار سنوياً.
إزاء هذا الواقع، يبدو الدين العام المدخل الأفضل لمعالجة الأزمة. بعض المصرفيين يقترحون أن تشطب المصارف ديوناً للدولة مقابل منحها من مصرف لبنان مهلة كافية لإعادة تكوين رساميلها. هذه تكون مساهمتها في معالجة الأزمة. هاجس هؤلاء أن طرحاً كهذا يطيح ما لا يقل عن 14 مليار دولار من الأموال الخاصة، لا يمكن أن يتم إلا ضمن خطة وطنية للتصحيح الطوعي يتضمن وقف الهدر والفساد وتنظيم القطاع العام. مصرفيون آخرون يرفضون الحديث عن هذه المقاربة «المجنونة»، ويفضّلون أن يدفع موظفو القطاع العام وباقي الأجراء في القطاع الخاص كلفة التصحيح، سواء الطوعي منه أو القسري.



أول المعترفين
كان لافتاً أن الأكثر خبرة وحنكة بين هيئات المال والمصارف والسياسة، أي حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، هو أول من بادر إلى الاعتراف بوجود أزمة. اعترافه لم يكن بالكلمات المباشرة نظراً إلى حساسية الموقع الذي يشغله، بل جاء بسبب لقائه الوزير السابق شربل نحاس. فهذا الأخير كان قد عقد مؤتمراً صحافياً طلب فيه من ثلاثة أطراف معنية بالأزمة وهي: مصرف لبنان والمصارف، السياسيون، الدول والجهات المانحة، المبادرة إلى التصحيح الطوعي قبل انفجار الأزمة وخروجها عن أي سيطرة. مباشرة بعد المؤتمر الصحافي، تلقى نحاس دعوة لزيارة سلامة واللقاء مع جمعية مصارف لبنان. وبالفعل، التقى نحاس المصارف، لكنه اصطدم بمدى تعنّتها وممانعتها للنقاش. كل فكرة طرحها نحاس، ردّت عليها المصارف بمنطق قذف المسؤولية على السياسيين وموظفي القطاع العام. بعض المصرفيين كانت لديهم وجهات نظر مختلفة، لكن لوم الآخرين طغى على كل كلام.
الأمر كان مختلفا جداً مع سلامة ومدير العمليات المالية في مصرف لبنان يوسف الخليل. بحسب مصادر مطلعة، فإن النقاش أظهر وجهات نظر متقاربة للأزمة والحلول المتاحة. تقول المصادر إن مشروعاً ما بين الطرفين قد يتفق عليه لبلورة حلول للأزمة على قاعدة التصحيح الطوعي. المفاجأة أن هناك خبراً وصورة نشرت بعد اللقاء بموافقة الطرفين.