لم يكُن ما شهدته بلدة الجاهلية يومَ السبت الماضي «قطوع ومرق». صحيح أن الجبل اجتاز تداعياته الأمنية بعد مُحاولة إحضار الوزير السابق وئام وهاب من منزله تنفيذاً لإشارة الرئيس سعد الحريري، لكن الخضّة وملابساتها استدعت استنفاراً سياسياً على أعلى المستويات. وفي هذا الإطار علمت «الأخبار» أن اتصالاً مباشراً سُجّل بين الرئيس الحريري والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الحاج حسين الخليل بعد «غزوة الجاهلية»، أكد فيه رئيس الحكومة أن «لا أحد يُمكن أن يقبل التعرض لأهله وبيته بهذه الطريقة وبهذه اللغة»، فرّد الخليل بأن «الكلام الذي صدر هو مستهجن ومرفوض، وأعراض الناس هي أعراضنا، ولا يهين علينا تصرف كهذا». لكن الخليل خلال الاتصال سأل الحريري، مستنكراً: «هل فعلاً كنتم تنوون اعتقال وهاب بهذه الطريقة، وهل كنتم لتتحملوا النتائج؟ ما حصل خطأ ولا يُمكن لأحد أن يتحمّل مسؤولية تداعياته». فأكد الحريري أن «وهاب كان يجب أن يتمّ إحضاره الى التحقيق».

ما حصل في الجاهلية، وبمعزل عن تفاصيله، أعاد الالتفاف حول وهاب، لا سيما من قبل حزب الله الذي تدخّل لمصلحة الأخير، على اعتبار أن حملة رئيس «التوحيد» على الحريري تُعالج بمسار قضائي ولم تكُن تستدعي المستوى الذي بلغته من جهة، ومن جهة أخرى لعلم الحزب بأن النائب السابق وليد جنبلاط لعب دوراً أساسياً في التحريض على وهاب للنيل منه، مستحضراً مناخات 5 أيار التي كان جنبلاط عرابها عام 2008. وهو حتماً أحدث صدمة داخل فريق 8 آذار الذي أعاد تجميع مكوّناته سياسياً حفظاً للتوازن الذي حاول الفريق الآخر ضربه بقرار «متهوّر» وغير مدروس من رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري ورئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط. فقد كان لافتاً يومَ أمس، وبالوقائع، أن ما أقدمت عليه شعبة المعلومات نزل كالصاعقة على فريق 8 آذار، الذي شعر جزء كبير منه بأن هناك مُحاولة لاستخدام منطِق الاستقواء بجهاز أمني. وهذا التحسّب دفع بـ8 آذار، وتحديداً القوى الدرزية، الى استنهاض جمهورها من جديد لتنبيه الخصوم في الجبل وغيره من الذهاب بعيداً في ما يخطّطون له. أبرز هذه الوقائع هو توجّه وفد من الحزب الديمقراطي اللبناني لتقديم واجب العزاء لرئيس حزب التوحيد العربي، ممثلاً الوزير طلال أرسلان، ويترأسه نائبه نسيب الجوهري الذي اعتبر أن «أمن الجبل لا يكون بهدر دم أبنائه واستباحة أمن قُراه، ولا يكون بقرية واحدة خطّاً أحمر، لا بل كلّ الجبل خط أحمر». وأهمية هذه الزيارة أنها جاءت بعدَ خلاف عميق بين أرسلان ووهاب، وأعلن وهاب بعدها «أننا كلّنا تحت راية أرسلان، وسأزور منزله بعدَ انتهاء التعازي».

جنبلاط يتراجع
حركة التضامن مع وهاب الذي قال إن ««المعلومات» كانَ ينقصهم أن يأتوا الى الجاهلية ومعهم المناشير» انضمّ اليها رئيس تكتل «لبنان القوي» الوزير جبران باسيل الذي أرسل وفداً للتعزية بالشهيد محمد بو دياب، برئاسة الوزير طارق الخطيب الذي قال من الجاهلية «إن ما حصل سيكون موضوع تحقيق قضائي لتحديد المسؤوليات». ومن بين المعزّين شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز نصر الدين الغريب الذي اعتبر ما حصل «غزوة على المدنيين والشيوخ والاطفال»، مشيراً الى «أننا نعرف أن العمليات تكون ضد المجرمين والإرهابيين، وهذه سابقة خطيرة نأمل أن لا تتكرر».

الخليل للحريري: كلام وهاب مرفوض لكن طريقة الردّ عليه كانت خاطئة


في مقابل هذا الالتفاف والتضامن مع وهاب، سجّل جنبلاط تراجعاً كبيراً في مواقفه؛ فبعد أن اعتبر من على عتبة منزل الرئيس الحريري، قبلَ أيام، أن «الدولة قامت بواجبها في الجاهلية»، علمت «الأخبار» أن رئيس الحزب الاشتراكي يسوّق في مجالسه أنه «لم يكُن يعلم بأن المشهد سيكون كما حصل»، لذا سارع أمس الى ضبط جمهوره وتهدئة ساحته. جنبلاط لم يتوقّف طيلة الساعات الماضية عن التغريد، وقال في تعليق على موقع «تويتر» إنّ «التنسيق مع حزب الله منتظم كالعادة بالرغم من التفاوت في وجهات النظر في بعض الأمور. أمّا في ما يتعلّق بما جرى في الجاهلية، فإنّني أتقدّم بالتعازي بالشهيد محمد بو دياب، وكلّنا في خدمة أمن الجبل أياً كانت الخلافات».
في المسار القضائي، أعلن محامي وهاب معن الأسعد التقدم بطلب تنحية مدعي عام التمييز القاضي سمير حمود عن القضية ونقل الدعوى ضد وهاب «إلى المحكمة المختصة أصولاً وهي محكمة المطبوعات، كما تقدمنا بشكوى أمام التفتيش القضائي بوجه القاضي حمود»، مشيراً الى أن «القاضي حمود إنسان كفوء لكنه أخذ قراراً تحت الضغط السياسي». كذلك كلّف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس الشرطة القضائية بالتحقيق في الملابسات التي أدّت إلى مقتل بو دياب.