بغداد | «غداً الأحد هو موعدٌ ثابتٌ للتصويت على الحقائب الوزارية الشاغرة». هذا ما تؤكّده مصادر مطّلعة على سير المفاوضات بين الكتل السياسية، مشيرةً في حديثها إلى «الأخبار»، إلى أنه ــــ حتى الساعة ــــ «ما زالت على حالها: فالح الفيّاض (الداخلية)، وفيصل الجربا (الدفاع)، ودارا نور الدين (العدل)». وإن كانت التوقعات قد أشارت إلى إمكانية إرجاء التصويت، في جلسة الغد، إلا أن موقف «المرجعية الدينية العليا» (آية الله علي السيستاني) أمس، أعاد خلط الأوراق مجدّداً. موقفٌ ــــ هو الأوّل من نوعه ــــ منذ تسمية عادل عبد المهدي رئيساً للوزراء. إذ اعتبر ممثّل «المرجعية» عبد المهدي الكربلائي، أن «العنف السياسي، وتصفية الخصوم وتهديدهم أمرٌ مرفوض، ولا يليق بمن يبتغي العمل السياسي». وأضاف في خطبة الجمعة من مدينة كربلاء إن «استخدام وسائل غير مشروعة للوصول إلى أهدافٍ سياسية، كقتل الخصوم، وتهديدهم، وتخويفهم، وإرعابهم، وإلصاق التهم بهم من دون دليل، والطعن في سيرتهم أمرٌ مرفوض»، واصفاً إيّاها بـ«الوسائل غير الصحيحة، وغير اللائقة، بمن يبتغي اتخاذ العمل السياسي وسيلةً للخدمة، وأداء الوظيفة المخصوصة للسياسيين». بهذه الجمل، أوجز عبد المهدي المشهد، وأعاد رسمه مجدّداً. طوال الأسابيع الماضية، حرص زعيم «التيّار الصدري» مقتدى الصدر، على التكلّم باسم «المرجعية». وحرص أيضاً، على تفسير عباراتها وفقاً لرؤيته الخاصّة، وبناءً على حساباته، وحسابات «تحالف الإصلاح»، على اعتبار أن مواقف الأخير تلبّي طروحات «المرجعية» ومطالبها. مواقف الصدر «الإصلاحية» وتغريداته، دفعت بالعديد من القوى السياسة إلى طرق باب الدوائر المحيطة بمكتب السيستاني، والاستفهام بشكلٍ مفصّل عن توجّهات «السيّد المرجع» ورؤيته لمسار العملية السياسية. بعضهم حصل على إجابة تفيد بأن «لا رفض ولا فرض» في محاولةٍ من «بيت المرجع» عدم الخوض في غمار التسميات، واقتحام العملية السياسية «من أضيق أبوابها». بعض مرشحي عبد المهدي (والذين ينتظرون توزيرهم، واعترض الصدر على ترشيحهم) التمسوا إشاراتٍ واضحة من بيت السيستاني تؤكّد أن «لا فيتو على أحد». رسائل/ إشارات كانت مُطمئنة من جهة، ومن جهةٍ أخرى كانت مناخات الاتصالات على خطّ الحنانة (مقر إقامة الصدر) ــــــ بغداد، توحي بأن حسابات الزعيم الشاب مختلفة عن حسابات النجف التي ترى نفسها «أمّاً للجميع، ولا تسعى إلى كسر أحدٍ على حساب أحد»، بتعبير مطلعين على مناخاتها.
حرص مقتدى الصدر، في الأسابيع الماضية، على التكلّم باسم «المرجعية»


في حديثها إلى «الأخبار»، تؤكّد قيادات عدّة من «تحالف البناء» أن ثمن المواجهة السياسية «وإن حقق المبتغى سينعكس سلباً على العملية السياسية». كان التوجّه، وفق تلك القيادات «الحصيلة النهائية، وليس كسب جولة»؛ وعليه كان القبول بكسر نصاب الثلاثاء الماضي، ومن ثم إرجاء التصويت في جلسة أوّل من أمس، على أمل التوصّل إلى صيغةٍ معيّنةٍ مع «الإصلاح»، يُضمن من خلالها إمرار كامل «الكابينة» الوزارية، في محاولةٍ جديدة لاستيعاب الصدر وعدم دفعه إلى اللجوء للشارع، صوناً للعملية السياسية الجارية.
تستوقف المصادر عند خطبة أمس: «خطبةٌ لم تكن متوقّعة». صحيحٌ ــــ وفق تعبيرها ــــ أن السؤال كان «جانبيّاً» غير مرّةٍ للنجف، والإجابة أحياناً «رمادية»، إلا أن موقف أمس كان «حاسماً، ويدعو في طيّاته إلى الاحتكام للسياقات الدستورية»، أي إنجاز أي استحقاق بالطرق السليمة، بعيداً عن الخطابات التي تسيّدت المشهد طوال الأسابيع الماضية. وإن كان الموقف موجزاً ودقيقاً، إلا أن في طيّاته رسائل سياسية لجميع الأطراف، لعلّ أبرزها، وفق مصادر عارفة بمناخات النجف، أن الأخيرة «ترفض من يفسّر موقفها على هواه، وأن الصمت إزاء الملفات الخلافية ما هو إلا دعوةٍ لإعادة التفكّر في الاشتباك القائم، الذي يعمّق من الشرخ بين المكوّنات أوّلاً، ويزيد من عجز المؤسسات ثانياً».
عملياً، استطاعت «المرجعية» تنفيس الاحتقان القائم، وأمّنت لحكومة عبد المهدي «غطاءً» لإمرار ما تبقى من مرشحيه، وهو ما فرض «صمتاً» على جميع القوى السياسية، التي تؤكّد مصادر «البناء» و«الإصلاح» أن التوجّه سيكون إلى التصويت غداً، بمعزلٍ عن توجهات الكتلتين، وما سينتجه «الصندوق» سيكون لازماً على الجميع المضي به. هنا، تختم مصادر «الفتح» حديثها بالقول إن «النجف وحدها قادرة على ضبط إيقاع الصدر، وقد استفاد سابقاً من سكوتها، لكن حراجة موقفها دعتها إلى الحديث... فأعادت خلط الأوراق، وخسر الصدر بهذه البساطة».