قررت أنقرة، أمس، إعادة قضية قتل الصحافي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، مطلع تشرين الثاني/ أكتوبر، إلى واجهة الساحة الدولية، بعد فترة قصيرة، شهدت فتوراً، ربما لدواعي سياسة أنقرة الإعلامية في فترة احتلت استحقاقات كبرى، الساحة السعودية، منها انعقاد قمة «مجموعة العشرين» في بوينس آيرس، نهاية الشهر الماضي، ثم انطلاق المشاورات اليمنية في السويد، الخميس الماضي، واجتماع منظمة «أوبك» في فيينا بعدها بيوم، وأخيراً انعقاد قمة مجلس التعاون الخليجي في الرياض، أول من أمس.

تفتح تركيا الباب أخيراً أمام «تحقيق دولي» في الجريمة، بعدما رفضت الرياض التعامل مع أنقرة في التحقيقات، وآخرها رفض تسليم مطلوبين سعوديين مشتبه في ضلوعهم في جريمة الاغتيال. هو مسار جديد، تضعه أنقرة أمام الرياض مصحوب بتسريبات جديدة إلى وسائل إعلام أميركية، بالتزامن مع تحرك داخل الولايات المتحدة، حيث حطّ رئيس المخابرات التركية، للقاء أعضاء في مجلس الشيوخ ومسؤولين في المخابرات، بالتزامن مع الجدل المفتوح في أروقة القرار الأميركية، بشأن كيفية وجود تعاطي واشنطن مع ولي العهد محمد بن سلمان، بعد جريمة خاشقجي.
رغم أن أنقرة باتت تعلم أن الرياض لا تنوي التعاون في التحقيق التركي نظراً لتجربتها خلال وجود المدعي العام السعودي في تركيا، مطلع الشهر الماضي، لكنها حددت مسؤولَين سعوديَّين بارزين للرياض لتسليمهما، وأصدرت محكمة صلح الجزاء في إسطنبول، الأربعاء الماضي، مذكرة توقيف بحقهما، هما المستشار السابق سعود القحطاني، أحد كبار مساعدي ابن سلمان، والنائب السابق لرئيس الاستخبارات العامة السعودية، اللواء أحمد عسيري، اللذان شاركا في التخطيط لقتل خاشقجي كما تقول، لكونهما يملكان كافة تفاصيل الجريمة، من ألفها إلى يائها، ولا سيما الأمر بالقتل. وكما كان متوقعاً، رفضت الرياض تسليم «مواطنيها»، كما أعلن وزير الخارجية عادل الجبير، خلال مؤتمر صحافي في ختام انعقاد القمة الخليجية، أول من أمس، ما فتح الباب أمام الدعوة إلى «تحقيق دولي»، لكون «البحث عن العدالة على صعيد القانون الدولي من أجل المرحوم خاشقجي سيكون في مصلحة المجتمع الدولي»، كما قال رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، فخر الدين ألطون، أمس، معتبراً أن رفض تسليمهما «يجعل من يتهمون السعودية بمحاولة التستر على الجريمة على حق»، وأن «طلب تركيا تسليم المتهمين، وفّر فرصة للسلطات السعودية كي تظهر للعالم استعدادها للكشف عن كافة ملابسات» الجريمة. وتمهيداً لذلك، أعلن وزير العدل التركي، عبد الحميد غول، أمس، أن بلاده استكملت جميع أنواع الاستعدادات القانونية والتقنية اللازمة، لنقل قضية مقتل جمال خاشقجي إلى المحافل الدولية.
بالتزامن مع دفع المجتمع الدولي إلى تبنّي مطلب تحقيق دولي، تعمل أنقرة على خط الضغط على الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للتخلي عن ابن سلمان، وذلك بمسارَين: الأول تعاون مع أعضاء الكونغرس ووكالات الاستخبارات، والثاني إثارة الرأي العام عبر تسريبات جديدة أكثر فظاعة من السابقة. أمس، سرّبت السلطات التركية لقناة «سي إن إن» الأميركية، المعادية لترامب، تفريغاً مترجماً لتسجيل صوتي، أثناء وجود خاشقجي داخل القنصلية، ينسف ادعاء الرياض الأخير، بأن خاشقجي قُتل وجرت «تجزئته» بعد حقنه بمخدر، على أن الهدف كان «إقناعه بالعودة» إلى المملكة. فأظهر التسجيل الجديد أن خاشقجي قتل بعدما قال له ضابط المخابرات والعضو في الفريق الأمني لابن سلمان، العقيد ماهر مطرب «ستعود»، ليبدأ العناصر بمهاجمته وخنقه، فيما صرخ خاشقجي: «لا أستطيع التنفس» ثلاث مرات على الأقل. التفريغ استخدم كلمات منفردة لوصف الضوضاء، ومنها «صراخ» و«لهاث» و«منشار» و«تقطيع»، إذ تعرّفت السلطات التركية من خلاله، إلى صوت الخبير في الطب الشرعي المتخصص في التشريح لدى وزارة الداخلية السعودية، صلاح الطبيقي، فيما كان يطلب من الآخرين، وضع سماعات الأذن أو الاستماع إلى الموسيقى كما يفعل هو أثناء تنفيذ الجريمة. ويوثّق التسجيل اتصال مطرب بمسوؤلين سعوديين يوردهم تفاصيل العملية خطوة بخطوة، إلى أن قال لهم في النهاية: «تم الأمر».

تشمل مراجعة في مجلس النواب الأميركي مصالح كوشنر المالية وعلاقته بابن سلمان


أما المسار الثاني، الذي تعمل عليه أنقرة، فهو دعم الموقف الرافض لموقف البيت الأبيض، إذ حطّ رئيس المخابرات التركية، حقان فيدان، المقرب من الرئيس رجب طيب أردوغان، يوم الجمعة الماضي، في واشنطن للقاء أعضاء في مجلس الشيوخ ومسؤولين في المخابرات، وفق خمسة مصادر مطلعة، طلبت عدم ذكر أسمائها، لوكالة «رويترز». وأشارت المصادر، إلى قضية مقتل خاشقجي نوقشت في اجتماع مع أعضاء مجموعة مراقبة «حلف شمال الأطلسي»، التي تضم أعضاءً من الحزبين في مجلس الشيوخ. كذلك رجحت أن يناقش فيدان مقتل خاشقجي خلال اجتماعه بمسؤولي المخابرات الأميركيين من دون تأكيد ما إذا التقى بمديرة المخابرات المركزية «سي آي إيه» جينا هاسبل.
التفاعل التركي، مع الجناح المعارض لموقف ترامب من ابن سلمان، جاء في وقت تقود فيه لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي، مراجعة شاملة لسياسة إدارة ترامب تجاه السعودية، بحسب ما نقلت شبكة «سي أن أن»، عن أحد المساعدين الديموقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، الذي أشار إلى أن النائب إليوت إنجل، الذي يتوقع أن يقود اللجنة، يخطط لإجراء المراجعة، وأنها قد تشمل المصالح المالية لجاريد كوشنر، مستشار ترامب وصهره، وعلاقته بمحمد بن سلمان. إذ لفت مساعد إنجل ومستشاره، تيم مولفي، إلى أن المراجعة التي يعتزم النائب طرحها «تشمل ما أدى إلى رد الولايات المتحدة على مقتل جمال خاشقجي»، مضيفاً في معرض رده على سؤال عمّا إذا كان ذلك يشمل علاقة كوشنر ــــ ابن سلمان، أن «كل شيء مطروح على الطاولة». التحرك يأتي أيضاً، في وقت يعتزم فيه مجلس الشيوخ، الأسبوع المقبل، التصويت على مشروع قرار لفرض عقوبات على السعودية، بسبب حرب اليمن واغتيال خاشقجي، بعد إحاطة قدمتها هاسبل في جلسة مغلقة لبعض أعضاء المجلس، الثلاثاء الماضي، توصلت فيها إلى أن «قتل خاشقجي كان بأمر مباشر من ابن سلمان».