رغم الجو العاصف نهاية الأسبوع الماضي، جاء لافتاً تجمهر مئات الأردنيين في ساحة قريبة من مبنى رئاسة الوزراء، المعروفة باسم الدوار الرابع، في العاصمة عمّان، وذلك مع عودة الملك عبد الله الثاني من واشنطن بعد حضوره جنازة جورج بوش الأب. لم يكن هذا التجمهر غريباً في البداية، فقد سبق أن عاد الحراك هناك عبر دعوة اعتيادية رغم الجهل بمُطلقيها، خاصة أن اسم الوقفة «معناش» هو الشعار الذي انبثق من احتجاجات رمضان الماضي وأحدث تغييراً للحكومة. لكن، نجحت الدعوة الأولى إلى هذا التجمع في الثلاثين من الشهر الماضي بعد أشهر من الهبة التي أسقطت حكومة هاني الملقي. وفي ساحة الفعالية، بدت قوات الأمن غير مستنفرة، وتعاملت بأعصاب هادئة مع المعتصمين الذين سرعان ما يتحمس أحدهم موجهاً دعوة إلى التحرك نحو مبنى الرئاسة، في حين أن حائط الصد الأمني يحول دون ذلك.

الهتافات جاءت مكررة ولا ناظم لها، خصوصاً مع عدم تصدّر أحزاب المعارضة الحدث، رغم وجود كوادرها فيه، بينما أعلنت أحزاب موالية ووسطية وكذلك النقابات المهنية أنها لن تشارك. وهذه الهتافات لا جديد فيها، وعادة ما يُعرف بها تيار معين يُحسب على المحافظات، أي «التيار البيروقراطي» الذي دعا إلى وقفة في الساحة نفسها قبل نحو شهرين، في محاولة للعودة إلى المشهد السياسي، وهو تيار يتكون من عسكريين ومدنيين بصفاتهم الشخصية. لكن، في اعتصام الخميس، حدث تغير في وتيرة الهتاف ليطاول الملك، رغم أن عنوان الوقفة أو مطالبها كانت فضفاضة وغير محددة. ومن الهتافات التي أطلقت ما نال من الملكة رانيا: «طاق طاق طاقية، إنت ومرتك حرامية»، وأخرى من عبد الله نفسه: «اهتف سمّع هالمختار، عبد الله باع الآثار... العقبة منا وفينا، عبد الله باع المينا... إصلاحاتك في سنوات، تزوير الانتخابات، وإفراز المخابرات، دستورك والترقيعات».
الحكومة، التي تراجعت شعبيتها منذ إعلانها قانون الضريبة الذي أقرّه البرلمان أخيراً وصدّق عليه الملك، تعاملت مع هذه الاحتجاجات من باب مشروعيتها من دون الخوض في تفاصيل، مع أن بعض وزرائها كانوا من المصطفين إلى جانب المشاركين في الاحتجاجات الأولى في رمضان. أما المؤسسة الأمنية، بعقليتها القديمة، فتعاملت مع الحدث بالطريقة التقليدية، إذ شنّت بعد المظاهرة حملة استدعاءات واعتقالات، كان آخرها لعضو في «اللجنة المركزية لحزب الوحدة الشعبية»، اعترضت سيارته ورفعت السلاح عليه واقتادته إلى دائرة «المخابرات العامة»، في رسالة واضحة إلى الحزب المعارض (هو جزء من ائتلاف الأحزاب القومية واليسارية) الذي زادت وتيرة تصادمه مع الدولة، خصوصاً خلال الحراك الذي اندلع في 2011.
وكان الإجراء الأبرز منذ عامين هو منع «الوحدة الشعبية» من إحياء ذكرى استشهاد أبو علي مصطفى، الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية»، وقد استجاب الحزب للمنع العام الماضي، لكنه لم يستجب هذا العام. والإجراء الثاني كان عدم صرف حصة الحزب من المخصصات الحكومية المرصودة للأحزاب في المملكة، عدا المضايقات الأمنية والتوقيفات والتضييقات المستمرة بحق كوادره.

تعامل الأمن بالطريقة التقليدية إذ شنّ حملة اعتقالات بعد انتهاء المسيرة


في هذه الأثناء، بعيداً نحو الجنوب، عُقدت اجتماعات العقبة التي ترأسها الملك عبد الله مع الثنائي الذي لا ينفصل عنه في الاجتماعات الرسمية، مستشاره وهو ذاته مدير مكتبه، منار الدباس (كان مديراً تنفيذياً في مكتب الأمير السعودي تركي بن طلال بن عبد العزيز ما بين 2006 ـــ 2010)، ووزير الخارجية أيمن الصفدي الذي يبدو بعلاقته مع الملك كأنه خارج التوليفة الحكومية المنشغلة بالقضايا المحلية. و«اجتماعات العقبة» هي لقاءات رفيعة المستوى برعاية ملكية منذ 2015، وهدفها «تعزيز التنسيق والتعاون الأمني والعسكري وتبادل الخبرات والمعلومات بين مختلف الأطراف الإقليمية والدولية لمحاربة الإرهاب والتطرف»، ويشارك فيها وفود من كبار المسؤولين من دول جنوب شرق آسيا وشركاء دوليون إضافة إلى ممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة «حلف شمال الأطلسي».
وكما في العام الماضي، جاء هذا العام بلقاءات أجراها الملك بنفسه، علماً بأن ألبانيا استضافت أول لقاء هذا العام تحت المظلة نفسها في حزيران/يونيو الفائت، فيما استضافت هولندا اللقاء الثاني في الشهر الماضي. أما الاجتماع في المملكة، الذي عقد في الثامن والتاسع من الشهر الجاري، فهدفه «مناقشة التحديات الأمنية في منطقة شرق أفريقيا»، وفق وكالة الأنباء الرسمية «بترا». والوفود التي أعلن أنها تمثل القارة السمراء هي من: زامبيا، وكينيا، ورواندا، والصومال، بالإضافة إلى وفد أميركي وآخر من الشرطة الدولية.
منذ مدة، يبدو الشغل الشاغل للأردن، الذي يمثل أحد أبرز القواعد الأميركية العسكرية في المنطقة، المسألة المتعلقة بمكافحة الإرهاب، إذ إن المساعدات الأميركية غير المسبوقة حصلت عليها المملكة تحت هذا العنوان. وكانت عمان قد وقعت مع واشنطن مذكرة تفاهم في شباط/فبراير الماضي تتلقى الأولى بموجبها ما مجموعه 6 مليارات دولار كمساعدات اقتصادية وعسكرية ومشاريع تنموية على مدى خمس سنوات (2018 ــــ 2022)، وقد تسلم الأردن الدفعة الأخيرة من مخصصاته بموجب هذه المذكرة للعام الحالي أمس، على صورة مبلغ 745.1 مليون دولار تم تحويله إلى البنك المركزي لحساب خزينة الدولة.