إسطنبول ــ غزة | على رغم كل الودّ الذي تبديه «حماس» لتركيا إعلامياً وداخلياً، لا تصارح الحركة بالواقع السيئ للعلاقة حالياً، الذي أُسّس له منذ أكثر من عام. فبجانب الرفض المتكرر للقاءات على مستوى عالٍ بين قيادة الحركة والرئاسات التركية، تقلّصت الأعمال التركية الخيرية في غزة وصارت بوابتها عبر رام الله حصراً، بجانب تعاطٍ «جاف» مع جرحى «مسيرات العودة» الذين وصلوا إلى إسطنبول.

في صبيحة يوم مشمس من أواسط تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وصلت برقية إلى أحد المكاتب التابعة لحركة «حماس» في إسطنبول تحمل رفضاً رسمياً لطلب ــــ لم يكن الأول من نوعه ــــ قدمته الحركة بغرض تنظيم لقاء بين عضو مكتبها السياسي موسى أبو مرزوق الذي كان وقتذاك في المدينة، مع وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو. قالت البرقية إن السبب هو «ازدحام جدول وزير الخارجية» المنشغل بقضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده هناك. لم يكن الرفض التركي لطلب الحركة صادماً، فقد كان أبو مرزوق يتوقع إجابة سلبية وإن لم تكن بهذه الطريقة.
لكنْ ما جعل الأمر يتعدى حدود تلك الرسالة الرفضُ التركي لتجديد الإقامة «الاستثنائية» لقائمتين من القوائم التي تقدمها «حماس» دورياً بغية تسوية أوضاع عناصرها الموجودين في البلاد مع عائلاتهم، كما أخّرت السلطات تجديد قائمتين أُخريين. وفي الوقت نفسه، لوحظ تشدّد وزارة الصحة التركية في إجراءات إيصال جرحى «مسيرات العودة» للعلاج لديها، إذ لم تستقبل حتى الآن سوى عدد قليل، كما اشتكى كثيرون منهم الإهمال و«سوء المعاملة».
قرّرت الحركة، التي تعلم أسباب «الزعل التركي»، التهدئة واللجوء إلى خطة من شأنها ترتيب لقاء رسمي بين صفها القيادي ومسؤولين رفيعي المستوى، عبر الإعداد لزيارة قادة حمساويين يشغلون مناصب رسمية في الجسم السياسي الرسمي الفلسطيني (الحكومة السابقة أو البرلمان)، بما يُضطر المسؤولين الأتراك إلى مقابلتهم. وهو ما بدأ تطبيقه منذ أسبوعين بعدما سمحت مصر لوفد ممثل عن «كتلة التغيير والإصلاح» في المجلس التشريعي (البرلمان) يرأسه محمود الزهار، بالخروج من قطاع غزة عبر معبر رفح، في جولة خارجية تشمل دولاً تكون تركيا أولها، وذلك لـ«تحشيد الدعم للقضية الفلسطينية» كما قال الزهار لوكالة «الأناضول» في الـ29 من الشهر الماضي.
حاول الوفد (يضمّ إلى جانب الزهار مروان أبو راس ومشير المصري ومحمد فرج الغول) أولاً دخول لبنان في الـ23 من الشهر الماضي، لكن «خللاً في التنسيق» كما تقول مصادر حمساوية، و«تحريضاً من السلطة» كما قالت مصادر فتحاوية والإعلام العبري آنذاك، منَعا ذلك، ليسافروا إلى تركيا مباشرة، قبل أن يعودوا مجدداً إلى لبنان ويُنهوا زيارتهم فيه الثلاثاء الماضي بعد نحو أسبوع من اللقاءات.

تقلّص الدعم التركي الخيري لغزة وصار يمر عبر رام الله فقط


في الزيارة الأولى إلى تركيا، جرت اتصالات لترتيب لقاء مع برلمانيين أتراك، أراده الزهار أن يتضمن أعضاء رئيسيين في لجان البرلمان، بالإضافة إلى رئيس البرلمان بن علي يلدريم، وهو ما لم يحدث، إذ اقتصر الأمر على ترتيبات لعقد لقاء بين الوفدين بإشراف رئيس «لجنة الصداقة البرلمانية مع فلسطين» حسن طوران، إضافة إلى عدد من نواب حزب «العدالة والتنمية في البرلمان»، لكن هذا اللقاء أيضاً لم يحدث، فأكملت الزيارة ضمن لقاءات حركية وعيادة بعض جرحى غزة.
وبينما وصل الوفد مجدداً إلى تركيا صباح الأربعاء الماضي، تقول مصادر إنه ينتظر رداً على الطلب الذي تقدم به للقاء يلدريم، وهو ما سيظهر خلال الأيام المقبلة. وعلى الأقل، يشارك الزوّار في مؤتمر «برلمانيون من أجل القدس» على مدى يومي الجمعة والسبت برعاية البرلمان التركي وحضور الرئيس أردوغان نفسه.

أين بدأت المشكلة؟
في آب/ أغسطس 2017، زار رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، العاصمة التركية أنقرة، حيث التقى أردوغان وطلب منه التدخل وتقديم مبادرة لإتمام المصالحة الداخلية بعد «تخلي مصر فعلياً عن هذا الملف»، بسبب الخلافات القائمة بينه وبين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وتقول مصادر إن طلب عباس مبادرة الطرف التركي إلى المصالحة كان يهدف إلى تجاوز الضغط المصري عليه جراء ما تطلبه القاهرة منه من تنازلات، ولإحراج «حماس» التي من الصعب عليها ترك الأخيرة في هذا الملف.
من هنا، تتهم مصادر في «حماس»، عباس، بالتشويش على العلاقة بينها وبين الأتراك، خصوصاً أن «أبو مازن رمى في حجر الرئيس التركي قضية عودة العلاقات بين الحركة ومحمد دحلان»، إذ ترى أنقرة في الأخير «شريكاً في الانقلاب الفاشل وأداة أمنية تابعة للإمارات»، بل نقل رئيس السلطة «صورة تفصيلية عن التعاون بين حماس ودحلان»، ما أدى إلى احتجاج تركي شبيه باحتجاج قطري سابق، فأرسلت الحركة آنذاك وفداً «لإيضاح موقفها وكشف محاولة عباس إفساد العلاقات». وتضيف المصادر أنه «من المضحك إبراز عباس لعدد من تصريحات رموز في حماس يهاجمون فيها مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك بوصفه خان الخلافة العثمانية وأسس للعلمانية التي قضت على الدولة الإسلامية».
لم تقف رام الله عند ذلك، بل تقدمت سفارتها لدى أنقرة، ووزارة الخارجية، بطلب التدقيق في الأعمال الخيرية التركية في غزة تحت دعوى استخدامها بطرق تحرج تركيا دولياً وأمام إسرائيل، وهو ما نجحت فيه جراء اعتقال العدو منسق «الوكالة التركية للتعاون والتنسيق» (تيكا) في غزة محمد مرتجى، أثناء اجتيازه حاجز «بيت حانون ـــــ إيريز»، ثم محاكمته على «اعترافه بالحصول على أموال من منظمة إغاثية تركية وتحويلها إلى حماس». على إثر ذلك، اتخذت سلطات العدو قراراً في 9 تموز/يوليو 2017 بالحد من أنشطة «تيكا» شرقي القدس والضفة المحتلتين والقطاع أيضاً، الأمر الذي أزعج السلطات التركية ودفعها إلى التشديد على العمل الخيري تجاه الفلسطينيين، ومن ثَمّ تحويل التنسيق عبر السلطة بدرجة كبيرة.
و«تيكا» أكبر المؤسسات الرسمية التركية المهتمة بالأعمال الخيرية حول العالم، وهي تابعة مباشرة للرئاسة. وفي العام الماضي، تقرر نقل إدارتها كلياً إلى رام الله وإرسال منسق تركي لإدارتها من هناك، مع تقليص العمل في مكتب غزة، بل اتخذت المؤسسة أسلوباً إعلامياً تحاول به تبرئة نفسها من تهم دعم «حماس». فقد صرح منسقها العام في فلسطين، بولنت قورقماز، في تموز/ يوليو الماضي بأن «هدف الوكالة هو توفير المساعدات للمناطق المحتاجة»، وبأنها لا تتبع أسلوب الإملاء وفرض الشروط، بل تعمل استناداً إلى مبدأ التعاون والتضامن والاستشارة. أكثر من ذلك، قال قورقماز إن «تيكا لا تعكس المجاملات، بل تعمد الصراحة والثقة والشفافية... لا نقدم خدماتنا على أساس المعتقدات المذهبية أو الطائفية أو الانتماءات السياسية والأيديولوجية، بل نعمل على أننا جزء من البلد الذي نوجد فيه».

المساعدات عبر رام الله فقط!
في نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي، عُقد اجتماع في رام الله بين كريم كيراتلي، وهو مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية التركية، وسفير تركيا لدى فلسطين جورجان كورجولي، مع السفيرة الفلسطينية أمل جادو (مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية)، وتم الاتفاق على «التنسيق في المجالات كافة بين الحكومة التركية والحكومة الفلسطينية وتعزيزه بما في ذلك المساعدات الإنسانية».
وسبق ذلك، في أيار/ مايو 2017، توقيع رئيس حكومة «الوفاق الوطني»، رامي الحمدالله، على بروتوكول لدعم الفلسطينيين عبر «الوفاق»، ينص على ألا «ينفذ الدعم التركي الرسمي للفلسطينيين إلا عبر المؤسسات الرسمية الفلسطينية، وعبر مؤسسات تركية عاملة في فلسطين بالتعاون مع المؤسسات الرسمية». كما قدمت أنقرة منحة بـ10 ملايين دولار إلى السلطة، عقب لقاء الحمدالله مع أردوغان في «الملتقى الدولي لأوقاف القدس» في الشهر نفسه. ومنذ إقرار تلك التفاهمات، تقدم عدد من المؤسسات الخيرية في غزة خلال 2018 بمشاريع خيرية وإغاثية إلى «تيكا»، لكنها رُفضت، وتبين أن السبب هو توصيات سلبية من السلطة. وعلى إثره، طلبت «حماس»، بحكم العلاقات المستمرة على رغم تأرجحها، توجيه الدعم مباشرة إلى القطاع، ودعم عدد من المشاريع المهمة فيها بعيداً من السلطة، لكن الرد التركي كان حاداً هذه المرة، وفحواه أنهم لا يرغبون في تكرار التجربة السابقة، وأن الدعم سيصل عبر الجهات الرسمية حصراً.



«مكتب تمثيلي» في الجزائر؟


كان لافتاً ملاحظة إقامة ممثل «حماس» في الجزائر، سامي أبو زهري، بصورة دائمة في إسطنبول، فيما يزور الجزائر على نحو متقطع، وهو ما أجابت عنه مصادر بالقول إن السلطات الجزائرية ترفض افتتاح مكتب رسمي للحركة على أراضيها، وإن ما أشيع عن ذلك قبل شهور غير دقيق. تضيف المصادر أن السلطات هناك اكتفت بالموافقة على عمل جمعية خيرية تابعة لـ«حماس» في العاصمة، مع تسمية عدد معين من الشخصيات تُعرض مسبقاً على الجهات السيادية، وبعد الفحص الأمني، يتقرر دخولهم البلاد والعمل بالتنسيق مع جهات محدودة تسميها لهم الدولة. وبينما توجد اعتراضات داخل الحركة على تسمية أبو زهري ممثلاً عن الحركة في الجزائر، لأسباب وصفت بـ«التاريخية» في إشارة إلى توزيع الحصص القيادية بين غزة والضفة، ترفض الدولة الجزائرية السماح بعمل مكتب تمثيلي كامل لأسباب تتعلق بالوضع الأمني والأخرى بالوضع السياسي في البلاد.