غيّر آخر أيام المشاورات المنتهية في العاصمة السويدية، أمس، اتجاه المحادثات الجارية منذ أسبوع، من جمود محبط في خطوات بناء الثقة، نحو حلحلة في أعقد الملفات، التي من شأنها فتح ثغرة قد تنتهي بوقف العدوان المستمر منذ ما يقارب الأربعة أعوام، والذي راح ضحيته نحو عشرة آلاف شخص، ووضع 14 مليوناً يمنياً على حافة المجاعة. تمكن الطرفان قبل مغادرة الطاولة المستديرة، من تمرير الملفان الأكثر تعقيداً: اتفاق حول مدينة الحديدة ومينائها الاستراتيجي، وتفاهم بشأن تعز. أما في بقية الملفات، سواء بشأن فتح مطار صنعاء، أو على الصعيد الاقتصادي، أو وقف إطلاق النار وفتح الممرات الإنسانية لمختلف المحافظات، أو التمهيد للدخول في إطار سياسي، لم يتوصل الطرفان فيها إلى اتفاق، لكنهما فتحا الباب لتسويتها باتفاق على جولة ثانية، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أنه تم تحديد موعد لعقدها في نهاية كانون الثاني/ يناير المقبل، بضغط منه، بعدما رفض وفد حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبدربه منصور هادي، مناقشة الإطار العام لإجرائها.

لا شك أن الاختراق السياسي في الربع الساعة الأخير، أتى بضغوط دولية، مثّلها غوتيريش، الذي وصل استوكهولم، قبل ساعات من تقديمه إحاطة لمجلس الأمن، اليوم الجمعة، حيث تجري دراسة مشروع قرار بشأن اليمن، في حين وصل بلدة ريمبو، حيث يحضر سفراء الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن، منذ الثلاثاء الماضي، السفير السعودي، محمد آل جابر، ونظيره الإماراتي، فهد سعيد المنهالي، لحضور مؤتمر غوتيريش في ختام المحادثات، ليتلى البيان على مسامعهما. وبعدما تم الاتفاق على وضع إطار لتنفيذ كل ما تم التوصل إليه، من المنتظر وقف إطلاق النار كاملاً في محافظة الحديدة، وانسحاب كافة القوات من المدينة والميناء عسكرياً «في غضون أيام»، كما أعلن المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، أمس، مشيراً إلى أن «الانسحاب يأتي أولاً من الموانئ الثلاثة (الحديدة، والصليف، ورأس عيسى)... ثم من المدينة»، لتتولى الأمم المتحدة، دور مراقبة رئيسي في الميناء، الذي تدخل عبره غالبية المساعدات الإنسانية والمواد الغذائية الموجهة إلى ملايين السكان، بينما تتولى «قوى محلية» الحفاظ على النظام في المدينة، بإشراف من «لجنة أمنية وعسكرية مشتركة»، متفق عليها من الطرفين، بمشاركة الأمم المتحدة.
إشراف المنظمة الدولية، بتفويض من مجلس الأمن، على عمليات التشغيل والتفتيش في الميناء والموانئ الأخرى في المحافظة، ينهي ذرائع «التحالف» الذي تقوده الرياض، في شن هجمات على المدينة الساحلية، التي سبق ووصفها متحدث باسم القوات الموالية له، بـ«شريان تهريب الأسلحة الإيرانية للحوثيين» من دون أي دليل، وهو ما تنفيه الحركة وطهران. وعلى رغم أن «أنصار الله» كانت قد وافقت على اقتراح اتفاق الحديدة، قبل ستة أشهر، حينما عرضه غريفيث عليهم في صنعاء، في حزيران/ يونيو الماضي، إلا أن «وفد الرياض»، الذي أصر حتى آخر أيام المشاورات على رفضه، اعتبر الاتفاق «إنجازاً لأنه يتضمن انسحاب الحوثيين للمرة الأولى منذ الانقلاب»، كما قال وزير خارجية حكومة هادي، الذي اعتبر أن الاتفاق يبقى «افتراضياً» حتى تطبيقه، فيما أشار رئيس وفد «أنصار الله»، محمد عبد السلام، إلى أن وفد صنعاء قدم تنازلات كبيرة في ما يخص الحديدة، كونها المنفذ الوحيد المتبقي.

اتفاق الحديدة ينهي ذرائع «التحالف» في شن هجمات على المدينة الساحلية


وفيما لم يتمكن الطرفان من الاتفاق على ملف «حصار تعز»، تمكنت الضغوط الأممية من إرساء تفاهم بشأن تخفيف حدة التوتر في المدينة، التي تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد السكان، وفتح ممرات إنسانية لإيصال المساعدات إليها، تمهيداً لاتفاق في الجولة المقبلة من المفاوضات. أما بشأن مطار صنعاء، الذي تصر حكومة هادي على تحويله إلى مطار داخلي، توقع غوتيريش إبرام اتفاق في غضون أسبوع. ومن المرجح أن تلعب الأمم المتحدة دوراً أساسياً في بنوده، على غرار الحديدة، إذ أكد متحدث باسم وفد صنعاء، لوكالة «رويترز»، أن الحركة وافقت من حيث المبدأ على دور أممي في المطار، فيما أشارت الوكالة، إلى أن دورها «سيشمل التحقق من السلامة والقيام بعمليات التفتيش في المطار»، بدلاً من تفتيشها في مطارات خاضعة لحكومة هادي، كما أصر وفدها في مشاورات السويد، في حين تعتبر حكومة صنعاء، مطاري عدن وسيئون، غير آمنين، وخارجين عن سيطرة الطرف الآخر. وعلى رغم ذلك، حاول وفد صنعاء، بحسب ما كشف عبد السلام، أمس، الوصول إلى اتفاق بشأن المطار، فاقترح ذهاب الطائرات من مطار صنعاء إلى الأردن ومصر، ولكن «وفد الرياض» بقي مصراً على ذهابها إلى عدن حتى انتهت المشاورات.
على رغم اختتام مشاورات السويد من دون اتفاق على بعض إجراءات بناء الثقة، أمس، إلا أنها جهّزت أرضية لجولة جديدة، من خلال تقدم غير مسبوق، في الشقين الإنساني والعسكري (والأمني)، حقق الطرفان، بما يُمهد، إذا ما استمر، لاتفاق على إطار سياسي، يزيح الخيار العسكري من المشهد. لكن للوصول إلى الأخير، قد يحتاج الطرفان إلى جولة ثالثة ربما، إذ من المرجح أن تحمل الجولة الثانية بعد شهر، ملفات كبرى، كوقف إطلاق النار في بقية المناطق، وفتح بقية الممرات الإنسانية، والملف الاقتصادي، ومصير القوات الأجنبية. ولتحريك عجلة التفاوض، اقترح وفد صنعاء مواصلة المشاورات على المستوى الاقتصادي، الذي لم يحقق فيه الطرفان سوى اتفاق على بقاء عائدات ميناء الحديدة، في فرع البنك المركزي في المدينة، بسبب حرص «وفد الرياض» على «إضفاء طابع شكلي، لإعطاء الجانب الاقتصادي طابعاً سياسياً»، كما شدد عبد السلام، أمس.
يبقى كل ذلك، تمهيداً لحوار سياسي تشدد عليه دول العالم، لا سيما الداعمة للحرب، وهو ما شدد عليه، أمس، وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هانت، لدى لقائه بالوفدين (كانت المرة الأولى التي يجتمع فيها وزير بريطاني بمسؤولين من «أنصار الله» منذ اندلاع الحرب). وفي ظل ذلك، تسعى «أنصار الله» إلى الإسراع في إطلاق الحوار السياسي، باعتباره الحل الجذري، فوافقت على مسودة أممية للإطار السياسي العام، لكن وفد حكومة هادي، رفض التوقيع، في حين تبدو السعودية والإمارات، مصرتين على اعتماد العمل العسكري حتى في عملية التفاوض، هذا ما عبّر عنه، أمس، وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتية، أنور قرقاش، في «تويتر»، باعتباره أن «نتائج الضغط العسكري... يؤتي ثماره ويحقق هذه النتائج السياسية»، وهو ما سار عليه أيضاً، السفير السعودي لدى واشنطن، خالد بن سلمان، الذي اعتبر أن «جهود التحالف»، أثمرت في «إرغام الحوثيين على الجلوس إلى الطاولة».