بعدما دفعتها الضغوط المكثّفة إلى القبول باتفاق الحديدة على مضض، تحاول الحكومة الموالية للرياض تصدير تفسيرات «غير واقعية» تلائم مصالحها. تساندها في ذلك قيادة «التحالف» التي تحاول تجميل «الهزيمة» التي آلت إليها مشاورات السويد. محاولات لن تحول على الأرجح دون تنفيذ الاتفاق، خصوصاً في ظلّ وجود معلومات عن أن المفاوضات غير المعلنة تخطّت «مسألة الحديدة».

دخل اتفاق وقف إطلاق النار في الحديدة حيّز التنفيذ ليل الاثنين ـــ الثلاثاء، بعد أيام من اشتباكات عنيفة أعقبت إعلان الاتفاق في ختام مشاورات السويد. وعلى رغم أن إنهاء القتال كان يُفترض أن يسري فور إعلانه، إلا أن الأمر تأخّر أربعة أيام، لأسباب تصفها الأمم المتحدة بـ«الفنية»، فيما يضفي عليها طرفا النزاع طابعاً عسكرياً ـــ سياسياً. وبمعزل عن حقيقة هذا التأخير، يبقى واضحاً أن تنفيذ تفاهمات استوكهولم سيواجه عقبات عدة، من دون أن يعني ذلك انتفاء إمكانية تحقّقه كاملاً في نهاية المطاف، على اعتبار أن الجولة التشاورية الأخيرة أظهرت وجود ضغط دولي كافٍ لدفع السعودية والإمارات إلى تقديم تنازلات.
واجتمعت التصريحات الصادرة، أمس، من الأطراف كافة، على تحديد الساعة الأولى من يوم الثلاثاء موعداً لسريان الهدنة. موعد ثبّته مصدر في الأمم المتحدة، عازياً التأخير إلى أسباب «مرتبطة بالعمليات» على الأرض. وهو ما ذهب إليه أيضاً عضو الوفد الوطني التفاوضي حميد عاصم، الذي أشار إلى أنه «في الحروب لن تتمكن من وقف القتال فور الاتفاق مباشرة، إذ إن مسرح العمليات العسكرية يكون مختلفاً عمّا يدور بين المفاوضين». مع ذلك، فإن تلقّي سلطات صنعاء، السبت، رسالة من المبعوث الأممي، مارتن غريفيث، تحمل تاريخاً جديداً لبدء تنفيذ الاتفاق يُعدّ دليلاً على «فشل غريفيث في إلزام الطرف الآخر بوقف إطلاق النار بدءاً من الخميس الماضي»، بحسب ما لفت إليه عاصم، داعياً مندوب المنظمة الدولية إلى ضمان التزام «التحالف» والقوى الموالية له «وقف التصعيد». وفي الاتجاه نفسه، رأى عضو وفد صنعاء التفاوضي، سليم المغلس، أن «تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في الحديدة من مسؤولية الأمم المتحدة حالياً»، معتبراً في حديث إلى «الأخبار» أن «على المجتمع الدولي أن يضغط على السعودية والإمارات لتنفيذ ما جرى التوصل إليه، كذلك ضغط عليهما لتوجيه مرتزقتهما بالموافقة على الاتفاق في السويد».
على المقلب المضاد، أكد مصدر في تحالف العدوان أن وقف إطلاق النار في الحديدة سيبدأ «الثلاثاء... عند الساعة الثانية عشرة ليلاً»، لكنه أبقى الباب موارباً أمام إمكانية حدوث خروقات إضافية، بقوله إن «آلية التطبيق لم تكن واضحة في البداية، وليست واضحة بشكل كامل حتى الآن». وعلى رغم تأكيده أن «لا نية لدى التحالف لخرق الاتفاق»، وأن السعودية والإمارات «ستقومان بكل ما في وسعهما لاحترامه»، إلا أن المصدر نفسه توقع أن «يقوم المتمردون بنشاطات تهدف إلى استدراج ردود فعل»، في تبرير مسبق لأي مواجهات يمكن أن تعقب الموعد الجديد لسريان الهدنة، علماً أن التصعيد الذي تلا ختام المشاورات، والذي بلغ ذروته السبت الماضي، إنما كان محاولات من قِبَل القوات الموالية لـ«التحالف» للتقدم على غير جبهة، وخصوصاً في مديرية الدريهمي.
إزاء ذلك، يبدو أن تنفيذ اتفاق الحديدة بشكل كامل سيستغرق وقتاً لا يقلّ عن المدة التي تطلّبها إبرام الاتفاق نفسُه في مشاورات السويد. في هذا الإطار، يتوقع خبراء حضروا المشاورات أن يشكل مطلع شهر كانون الثاني/ يناير المقبل موعداً فاصلاً في عملية إرساء وقف شامل لإطلاق النار، على اعتبار أن تلك العملية قد تحتاج إلى أسبوعين على الأقل «لأنها ليست سهلة التنفيذ». يفسّر بعض من الصعوبات المشار إليها حقيقة أن جزءاً من الميليشيات المقاتلة تحت لواء «التحالف» على جبهة الساحل الغربي رفضت تفاهمات استوكهولم، مثلما هو حال «المقاومة التهامية» التي أعلنت أنها «لن توقف عملياتها العسكرية». موقف لا يستبعد مراقبون أن تعمد الرياض وأبو ظبي إلى استغلاله في المناورة وتأخير ترجمة التفاهمات، أملاً في حصول تبدلات ميدانية لمصلحتهما، خصوصاً أن عمليات التحشيد العسكري التي تقودها الإمارات تواصلت خلال الأيام القليلة الماضية.
وعلى رغم أن احتمال المراوغة بالاتكاء على عصا «الشرعية» لا يزال قائماً، إلا أن المسار الذي سلكته مشاورات السويد، وإسفارها عن اتفاق مفاجئ على تسوية الوضع في الحديدة، يشيران إلى أن السعودية والإمارات لن تجدا بداً في نهاية المطاف من حمل القوى الموالية لهما على الانصياع للتفاهمات، خصوصاً إذا ما بادر مجلس الأمن في اتخاذ قرار داعم لها. وفقاً لمعطيات متعددة، فإن وفد الحكومة الموالية للرياض كان حتى اللحظات الأخيرة متشدداً في رفض أي اتفاق بخصوص الحديدة، لكن الضغوط المُكثّفة التي مورست عليه عشية اختتام المشاورات دفعته إلى القبول بالاتفاق على مضض، وهو ما يؤكده أيضاً خبراء حضروا المشاورات، بحديثهم عن أن «المجتمع الدولي مارس ضغوطاً كبيرة، خصوصاً على الوفد الحكومي»، متوقعين تكرار السيناريو نفسه في مرحلة التنفيذ.
بناءً على ما تقدم، تَظهر تعليقات قيادة «التحالف» والحكومة التابعة له على إعلان استوكهولم، والتي توحي للوهلة الأولى بأن ثمة تبايناً بين طرفي النزاع في تفسير الإعلان، بأنها أشبه ما تكون بمحاولة لتجميل «الهزيمة»، مثلما فعل أمس المتحدث باسم «التحالف» تركي المالكي، بقوله إن «الحكومة اليمنية الشرعية ستتسلّم موانئ الحديدة قريباً»، علماً أن اتفاق الحديدة لا ينصّ على شيء من هذا القبيل. هكذا، يستمرّ الضخّ الإعلامي في اتجاه التهليل لنتائج مفترضة لـ«الضغط العسكري»، في وقت يبدو فيه أن المفاوضات تجاوزت مسألة التنازل عن «تحرير الحديدة»، إلى التباحث في كيفية ترتيب الوضع الحدودي بين السعودية واليمن. تجاوز مفترض غير معلن يعزّزه تأكيد مصادر «أنصار الله» أن «العِبرة الحقيقية» هي في ما يدور وراء الكواليس، وأن المشاورات أو المفاوضات العلنية ليست أكثر من «إخراج شكلي مطلوب» لوضع حدّ للحرب.



لا قوات أممية في الحديدة
أعلنت الأمم المتحدة، مساء أمس، رسمياً، بدء سريان وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة منتصف ليل الاثنين ـــ الثلاثاء. وقال المتحدث باسم الأمين العام للمنظمة، ستيفان دوجاريك، إن «لجنة تنسيق إعادة الانتشار، وهي اللجنة المشتركة المسؤولة عن تنفيذ اتفاق الحديدة، ستبدأ مباشَرةَ عملها في التوّ، لتحويل الزخم الناتج من مشاورات السويد إلى واقع ملموس على الأرض»، موضحاً أن اللجنة المذكورة ليست «قوات أممية لحفظ السلام». وأفاد الناطق باسم «أنصار الله»، رئيس وفدها التفاوضي محمد عبد السلام، من جهته، بـ«(أننا) سلّمنا أسماء ممثلينا الثلاثة في لجنة التنسيق»، مؤكداً «التزامنا (تنفيذ) اتفاق استوكهولم». وتتألف اللجنة الأممية من ستة أشخاص موزّعين مناصفة بين الطرفين، ويشرف عليها خبير عسكري من المنظمة الدولية يُفترض أن يكون الجنرال الهولندي المتقاعد باتريك كامييرت. ويأتي التوضيح الأممي بشأن «لجنة التنسيق» ليدحض «ما يشيعه إعلام العدوان عن تسليم الميناء»، والذي يندرج في سياق «البروباغندا الإعلامية» وفقاً لعضو وفد صنعاء التفاوضي عبد الملك العجري، الذي شدد على أن اتفاق الحديدة «واضح ولا يحتاج إلى تفسير».