الخرطوم | انفجرت الأوضاع الأمنية في عدد من المدن السودانية، أمس، إثر تظاهرات شعبية احتجاجاً على ندرة سلع رئيسية منذ أكثر من ثلاثة أشهر، فيما تشهد المدن، منذ ثلاثة أسابيع، شحاً في الخبز، اضطر المواطنين للانتظار لساعات في طوابير أمام المخابز.

غضب شعبي في الشارع بهتافات «الشعب يريد إسقاط النظام»، سرعان ما تحوّل مع نزول الجيش السوداني وإعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال، إلى قتلى وجرحى وإحراق مقار للحزب الحاكم، وإغلاق للشوارع المؤدية إلى القصر الرئاسي. مدينة بربر، أقصى شمال البلاد، ودّعت، مساء أول من أمس، أول قتيل، سقط خلال الاحتجاجات التي قادها أهالي المدينة منذ الصباح، بينما ودعت مدينة القضارف، شرق السودان، خمسة قتلى، وفق تقرير صادر من لجنة أمن الولاية، التي أعلنت فرض حالة الطوارئ فيها لساعات. كذلك أعلنت حالة الطوارئ في الولاية الشمالية وحاضرتها مدينة دنقلا. ووفق تقرير لجنة الأطباء المركزية (جسم مهني مطلبي يضم كافة أطباء السودان، ويسعى لتحسين الوضع الصحي في البلاد)، فإن عدد الوفيات بلغ ثلاثة أشخاص في القضارف، واثنين من طلاب مدينة كريمة، إضافة إلى قتيل مدينة بربر. حصيلة مرشحة للازدياد، إذ نقلت وسائل إعلام محلية، عن مسؤولين، مساء أمس، أن عدد القتلى وصل إلى ثمانية.
إلى ذلك، ناشد ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، المواطنين، للتبرع بالدم للمصابين الذين فقدوا الكثير من الدماء، قبل أن يتم إسعافهم بشكل متأخر، بعدما طوقت الشرطة المستشفى المركزي في المدينة، ومنعت الدخول إليه.
في الأثناء، انضم اللواء في الجيش، قائد اللواء الثاني مشاة في القضارف، محي الدين أحمد الهادي، إلى المحتجين، وطمأنهم بأنهم تحت حمايته وقواته. وأكد شهود عيان لـ«الأخبار»، اختفاء عناصر الأمن من ساحة الاحتجاجات عصر أمس. أما في الخرطوم، فقد شهدت مساء أمس، احتجاجات قادها طلاب الجامعات، ولاقت تجاوباً في وسط المدينة والطرق المؤدية إليه. وتواصلت الاحتجاجات طيلة الليل، وأغلق المحتجون «كوبري الإنقاذ» الذي يربط الخرطوم بمدينة الفتيحاب، الواقعة غرب العاصمة، فيما استمرت الاحتجاجات في عدد من أحياء المدينة، كاركويت والديم. محمد عثمان، أحد المشاركين في الحراك، روى لـ«الأخبار»، ما جرى في شوارع العاصمة، قائلاً إن «التظاهرة كانت كبيرة، امتدت حتى استاد الخرطوم لكرة القدم. وردد المحتجون شعارات تنادي برحيل الحكومة على شاكلة: يا خرطوم ثوري ثوري، لن يحكمنا لص كافوري»، في إشارة إلى حي كافوري حيث يسكن الرئيس عمر البشير. وبحسب مشاركين فإن «الشرطة تعاملت بعنف كبير مع المتظاهرين، على رغم سلمية التظاهرة، إذ قامت بإطلاق أعيرة نارية في الهواء، للتخويف، كما أطلقت الغاز المسيل للدموع». شرارة الاحتجاجات انطلقت، أول من أمس، من مدينة عطبرة شمال البلاد، حين اشعل محتجون النيران في مقر الحزب الحاكم، التي أتت عليه بالكامل. على ضوء ذلك، أعلنت حكومة الولاية حالة الطوارئ وتعليق الدراسة في جميع المدارس، غير أن المحتجين كسروا حالة الطوارئ، وتواصلت الاحتجاجات إلى اليوم التالي، وبذات القوة والزخم التي بدأت بها. وكان لاحتجاجات عطبرة، مدينة «الحديد والنار» كما يطلق عليها، ارتدادات في جميع مدن الشمال، في الدامر وبربر والمتمة والباوقة ودنقلا، وهذه الأخيرة، عاصمة الولاية الشمالية، أكد مواطنون فيها اختفاء الوالي ياسر يوسف، منذ إحراق المحتجين مقر الحزب الحاكم. وفي أول رد فعل، أقال البشير، المدير العام للهيئة القومية للاتصالات، يحيى عبد الله، وعيّن بدلاً منه مصطفى عبد الحفيظ وداعة الله. ووفق تسربيات، فإن المدير القديم، تلكأ في الانصياع للأوامر بإغلاق شبكة الإنترنت، وبدا أن المدير الجديد انصاع إلى تنفيذ الأوامر، إذ شهدت خدمة الإنترنت، مساء أمس، ضعفاً شديداً.

كان لافتاً عدم مشاركة حزب «الأمة» في الاحتجاجات بعد عودة زعيمه الصادق المهدي


على المستوى السياسي، سارع حزب «الإصلاح الآن»، بزعامة غازي صلاح الدين، للانحياز إلى مطالب المحتجين، محذراً الجهات الأمنية من التعامل مع الناس بطرق غير مشروعة. وكان لافتاً عدم مشاركة حزب «الأمة» القومي في الاحتجاجات، وهو الذي عاد زعيمه الصادق المهدي، أول من أمس، بعد عشرة أشهر قضاها خارج البلاد في منفى اختياري. وقال المهدي مخاطباً الآلاف من أنصاره الذين تجمهروا لاستقباله، إن وصفة الحل تكمن في «إعداد مذكرة للخلاص الوطني، يوقع عليها جميع أبناء الوطن، وممثلو الأحزاب السياسية والمجتمع المدني». وعاب الكثير من مناصري المهدي خطابه، وكانوا قد تهيأوا للنزول إلى الشوارع، ما أدى إلى انسلاخ عدد من أنصاره عنه، لا سيما فئة الشباب، التي رأت في موقفه خذلاناً للشعب، فيما أعلن الحزب الشيوعي، وحزب «المؤتمر» تأييدهم وانحيازهم للمتظاهرين.