لم تهدأ العاصفة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بإعلان قراره سحب قوات بلاده من سوريا، لا في البلدان المعنية بالملف السوري ولا داخل الولايات المتحدة الأميركية. فحلفاء الولايات المتحدة الذين «فوجئوا» للمرة الثانية تباعاً بخطط البيت الأبيض، تناوبوا أمس على التحذير من خطورة «الفراغ» العسكري الذي سيتركه انسحاب كهذا، ومن انعكاسه (المحتمل) إيجاباً على تنظيم «داعش» وغيره من الأطراف التي تتطلع نحو مناطق الجزيرة السورية. وانبرى معارضو القرار في واشنطن، لانتقاد خطة ترامب والحديث عن حشدٍ في مجلس الشيوخ لصياغة مشروع قرار يطالبه بالتراجع عن القرار. أما خصوم الولايات المتحدة (ضمن الإطار السوري)، فقد حافظوا حتى أمس على لغة «التشكيك» في صدق النوايا الأميركية.

وكالعادة، خرج ترامب عبر «تويتر» للدفاع عن قراره الذي بدا إلى حد كبير «رهاناً شخصياً»، قائلاً إن «الخروج من سوريا ليس مفاجأة. لقد روّجت ذلك لسنوات، ومنذ ستة أشهر أعلنت على الملأ أني أريد تنفيذ ذلك، ولكني وافقت على البقاء لمدة أطول (حينها)». وأضاف في سلسلة تغريدات أخرى: «لماذا نقاتل لمصلحة عدوّنا، سوريا؛ عبر البقاء وقتل داعش لأجلهم؟.. هل ترغب الولايات المتحدة أن تكون شرطيّ الشرق الأوسط، من أجل لا شيء، تخسر الأرواح وتريليونات الدولارات لحماية من لا يقدّر ما نفعل في معظم الأحيان؟.. آن الأون ليقاتل الآخرون».
الجملة الأخيرة تشير بوضوح إلى طبيعة رهان الرئيس الأميركي على هذا القرار المصيري، بمعزل عن تبعاته المحتملة إذا ما تم تطبيقه على الأرض. وزادت التصريحات التي نقلت أمس عن مسؤولين أميركيين، والتي أشارت إلى أن قرار الانسحاب سوف يتضمن أيضاً وقفاً للعمليات الجوية ضد «داعش»، من مخاوف عودة تمدد «داعش» مجدداً. وهي مخاوف تستند إلى مركزية الغطاء الجوي الأميركي في جميع منجزات «قوات سوريا الديموقراطية» الميدانية السابقة. ولأن تلك المخاوف تعني القوى العاملة في شرق الفرات بالدرجة الأولى، يعمل مسؤولو «مجلس سوريا الديموقراطية» على التواصل مع بقية أعضاء «التحالف الدولي»، وأولهم فرنسا، في محاولة لملء «الفراغ» الأميركي المرتقب.
وفي موازاة التعهدات الخجولة (حتى الآن) من بعض الدول الأوروبية العاملة ضمن «التحالف» بمواصلة العمل العسكري ضد «داعش»، خرجت لهجة مشككة من الجانب الروسي في خطوة ترامب. وقال الرئيس فلاديمير بوتين، إن الأميركيين دخلوا أفغانستان منذ 17 عاماً، وما زالوا هناك، على رغم أنهم كانوا يتحدثون كل عام عن انسحاب محتمل، مضيفاً أن بلاده «لم تشهد أي دليل على انسحابهم (من سوريا)، على رغم أن حدوثه أمر ممكن نظراً للتقدم على مسار الحل السياسي». ولم يفت الرئيس الروسي أن يذكّر مجدداً بعدم شرعية الوجود الأميركي في سوريا ومخالفته القوانين الدولية.

العمليات الجوية ستتوقف عقب الانسحاب وفق مسؤولين أميركيين


وعلى وقع تلك التطورات، استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس، نظيره الإيراني حسن روحاني، في قمّة نال الملف السوري عامة والقرار الأميركي المستجد خاصة، نصيباً كبيراً من نقاشاتها. وخرجت القمة بتأكيد لافت من أردوغان، على أهمية وحجم المسؤولية الملقاة على عاتق بلاده وإيران وروسيا في إرساء الأمن في سوريا والمنطقة، وفق «آلية ثلاثية مشتركة». وأعلن الرئيس التركي عن قرب انعقاد قمة رابعة جديدة تجمعه ونظيريه الروسي والإيراني، قالت مصادر روسية لاحقاً إنها ستعقد في روسيا. وكان لافتاً أن حديث أردوغان عن الدور الكبير المناط على عاتق «ثلاثي أستانا»، تساوق مع إشارة الرئيس ترامب إلى أنه «بات على روسيا وإيران وسوريا وآخرين قتال داعش ومجموعات أخرى، من دوننا».
العاصفة التي أثارها البيت الأبيض غطّت على موعد بارز في ملف «التسوية السورية»، وهو الإحاطة الأخيرة للمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، أمام مجلس الأمن. الحديث الوداعي الذي حمل ختامه طابعاً درامياً، لم يحظ بالأصداء التي تنالها جلسات مجلس الأمن الخاصة بالوضع في سوريا. وأعلن خلاله دي ميستورا الفشل في الوصول إلى منجزات على صعيد تشكيل «اللجنة الدستورية»، إثر «مشاكل» في القائمة التي اقترحت من قبل «ضامني أستانا» ووافقت عليها دمشق. وضمن السياق نفسه، استهجن الرئيس الروسي في حديثه السنوي أمس، رفض الأمم المتحدة للقائمة المقترحة، مشيراً إلى أن بلاده وإيران وتركيا بذلوا جهوداً لافتة لإنجاحها، إلى جانب موافقة الرئيس بشار الأسد على القائمة على رغم اعتراضه على عدد من الأسماء الواردة ضمنها.