تقاطعت كل المعلومات والتسريبات التي نُقلت عن مسؤولين أميركيين، ديبلوماسيين وعسكريين، لتؤكد أن الإعلان «المستعجل» عن خطط سحب القوات الأميركية من سوريا، خرج بلا خطط أو تنسيق مع حلفاء واشنطن. وبدا ذلك جليّاً في تصريحات «شركاء» الولايات المتحدة في الميدان، الذين باتوا ينتظرون إجراءات وزارة الدفاع الأميركية التي لم تكن بدورها مستعدة لهذه الخطوة. تفاصيل ولادة القرار بإرادة الرئيس دونالد ترامب من دون غيره، أوردتها وكالة «أسوشيتد برس» أمس نقلاً عن مسؤولين أميركيين، مؤكدة ما سُرّب سابقاً عن أن القرار الحسم اتخذ خلال حديث ترامب الهاتفي مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان. وجاءت استقالة وزير الدفاع جايمس ماتيس، التي حملت اعتراضاً واضحاً على سياسة ترامب في عدة ملفات آخرها الانسحاب من سوريا، لتُكمل صورة «القرار الشخصي» للرئيس.

اللافت في ردود الفعل على قرار ترامب، كان إعلان أردوغان تأجيل العملية العسكرية في شرق الفرات، بناء على التوجه الأميركي الجديد والاتصالات مع الأطراف المعنية. وترافق هذا التأجيل بترحيب «حذر» من جانب أنقرة بالخطوة الأميركية؛ إذ قال أردوغان في حديث في إسطنبول: «سمعنا كلمات صريحة ومشجّعة من الإدارة الأميركية حتى الآن... ونحن نرحّب بهذه الكلمات، ولكننا نتوخّى الحذر أيضاً بسبب التجارب السيئة الماضية». هذا التأجيل الذي أكد الرئيس التركي أنه «ليس لمهلة مفتوحة»، برره لاحقاً وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، بأنه خطوة ضرورية لتجنب أي «مشاكل طارئة» خلال انسحاب القوات الأميركية. ويفترض أن تشهد العاصمة الأميركية واشنطن في الثامن من شهر كانون الثاني من العام المقبل، جولة جديدة من اجتماعات «اللجنة المشتركة» الأميركية ــــ التركية، سيركّز على عملية الانسحاب. ونقلت أوساط تركية أن أردوغان كان ينوي الإعلان عن تأجيل لمدة شهر واحد للعملية، قبل أن يتحدث تاركاً المجال لمهلة غير محدودة بجدول زمني. وأتت خطوة الرئيس التركي وسط تركيز من أنقرة على تعزيز التنسيق مع روسيا وإيران في ضوء التطورات اللافتة في شرق الفرات. وأعاد أردوغان أمس ما أكده خلال القمة التي جمعته مع نظيره الإيراني حسن روحاني، بالقول إن «الخطوات التي اتخذناها في المنطقة مع روسيا وإيران تهدف إلى ضمان الأمن الإقليمي».

تنتظر «فصائل التنف» قرار «التحالف» و«البنتاغون» لمعرفة مصيرها


المفاجأة الأميركية حملت ممثلي «مجلس سوريا الديموقراطية» على جناح السرعة إلى العاصمة الفرنسية باريس، للقاء المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا، فرانسوا سينيمو، الذي كان قد أنهى قبل أيام فقط زيارة إلى إيران لبحث الملف السوري. الوفد الذي ضم «الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديموقراطيّة» رياض درار، و«الرئيسة المشتركة للهيئة التنفيذية» للمجلس إلهام أحمد، طلب توسيع الدور العسكري الفرنسي لتغطية الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الأميركي، إن تمّ. وذهب إلى مطالبة فرنسا بالعمل على «فرض حظر جوي» فوق مناطق سيطرة «قوات سوريا الديموقراطية». وفي حديث للصحافيين من باريس، أكد درار وأحمد أن تلك القوات سوف تضطر إلى الانسحاب من جبهات ريف دير الزور الشرقي، المشتركة مع «داعش»، والتوجه نحو الحدود التركية إذا ما تحركت تركيا عسكرياً، منوهين إلى خطر انتشار التنظيم مجدداً، أو فرار مئات من مقاتليه المعتقلين لدى «قسد». ووفق ما رشح أمس عن الرئاسة الفرنسية، فقد أكد مستشارو الرئيس إيمانويل ماكرون، دعم بلادهم لـ«قسد»، واستمرار تواصلهم مع الجانب الأميركي لمواصلة «مكافحة داعش». وأتت هذه الخطوة بالتوازي مع ما نُقل عن زيارة وفد من «قسد» إلى دمشق لإجراء محادثات حول مستقبل منطقة شرق الفرات، ليل أول من أمس، من دون أن يؤكد أي من الطرفين حدوث لقاء كهذا.
وبخلاف مناطق شمال شرقي سوريا، تبدو خيارات الفصائل المسلحة العاملة في التنف أضيق بعد قرار الانسحاب الأميركي، إذ تنتظر تلك الفصائل ما ستقرره وزارة الدفاع الأميركية و«التحالف الدولي» خلال الفترة المقبلة، في شأنها. وأفادت وكالة «آكي» الإيطالية بأن الأميركيين لم يحسموا بعد قرارهم في شأن تلك الفصائل، التي اقترحت دخول قوات فرنسية مكان الأميركية أو تأمين خروجها إلى الشمال السوري.
وفي الولايات المتحدة، تكثّفت موجة انتقاد قرار البيت الأبيض بين شخصيات جمهورية وديموقراطية على حد سواء، بعد إعلان استقالة ماتيس من منصبه. ودعا السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، إلى عقد جلسة فورية لمجلس الشيوخ، لبحث قرار ترامب، مشيراً إلى أنه يريد سماع ماتيس يتحدث خلال تلك الجلسة عن خطط البيت الأبيض.