تكاد جولات القتال بين «الإخوة الأعداء» تستنسخُ نفسها وفق سيناريوات ثابتة: خلافات، فاشتباكات محدودة، وسطاء و«محاكم شرعيّة»، اتفاقات، ثم نقضٌ للاتفاقات مع تبادل الاتهامات بـ«البغي» ومعارك واسعة النطاق، ثمّ جهود «وساطة» جديدة. ووفقاً للمسار الدائري ذاته استهلّت «هيئة تحرير الشام/ النصرة» وغرماؤها التقليديون العام الجديد باحترابٍ بدأ أول الأمر بين «النصرة» و«حركة نور الدين زنكي» في ريف حلب الغربي، قبل أن يتّسع أخيراً مع دخول مجموعات أخرى من مكوّنات «الجبهة الوطنيّة للتحرير» إلى جانب «الزنكي»، ليمتدّ القتال إلى أرياف إدلب. وبرغم أنّ الوساطات الأولى كانت قد أثمرت اتفاقاً «شرعيّاً» بين «الزنكي» و«النصرة»، فإنّ المعارك بين الطرفين سرعان ما تجدّدت، لتخرج الأمور عن سيطرة «فيلق الشام» الذي دأب على أداء دور «الطرف الثالث»، سواء في صورة معلنة أو غير معلنة. وتوحي مسارات المعارك بوجود غايات «استراتيجيّة» تُحرّك طرفي القتال بما يتجاوز مسألة اقتتالات ونزاعات عابرة، وهو ما تجلّى أول الأمر في إيلاء «النصرة» اهتماماً خاصّاً بالسيطرة على جبل الشيخ بركات، ومدينة دارة عزّة، الأمر الذي نجحت في تحقيقه. وتكتسب المدينة أهميّتها بفعل موقعها المرتفع الذي يتيح إشرافاً على المناطق المحيطة بها، علاوةً على موقعها المهم بين ريفي حلب الغربي وإدلب الشرقي. ويُشكّل اتصال الريفين بعضهما ببعض واحداً من المكاسب «الاستراتيجيّة» التي حافظت عليها المجموعات المسلّحة بمختلف انتماءاتها، ما يتيح لها الاستمرار في تهديد مناطق سيطرة الجيش السوري في حلب وريفها. وأتاحت اتفاقات «خفض التصعيد» و«نقاط المراقبة» تثبيت هذا الواقع، من دون أن يشمل ذلك الصراع المستمر بين «الإخوة الأعداء». ومساء أمس أصدرت «الجبهة الوطنيّة للتحرير» بياناً أعلنت فيه «النفير العام»، تمهيداً لشنّ هجمات معاكسة استهدفت مناطق سيطرة «النصرة» في ريف إدلب الجنوبي، لتندلع الاشتباكات على امتداد المسافة بين مدينتي خان شيخون ومعرّة النعمان، قبل أن تمتدّ إلى مدينة سراقب الاستراتيجية بدورها. وتقع جميع المدن المذكورة على أوتوستراد «حلب، دمشق» الدولي (M5)، فيما تطلّ سراقب على أوتوستراد «حلب، اللاذقيّة/ M4». وكان من المفترض أن يضمن «اتفاق سوتشي» فتح الأوتوسترادين المذكورين بضمانة روسيّة تركيّة، الأمر الذي لم يحصل بطبيعة الحال.
اهتمت «النصرة» بالسيطرة على جبل الشيخ بركات ومدينة دارة عزّة

وتشكّل السيطرة على مدينة سراقب هدفاً أساسيّاً لـ«الجبهة الوطنيّة»، فيما تستميت «النصرة» في الدفاع عن وجودها فيها. وبرغم الحضور الوازن الذي يحظى به تنظيم «حرّاس الدين» («القاعدي») في سراقب، فإنّ التنظيم لم يدخل على خطّ المعارك حتى مساء أمس، باستثناء مشاركة محدودة لبعض عناصره تحت «راية النصرة»، في ما يبدو أنّه خيار شخصي. وتفيد مصادر «جهاديّة» بأنّ قادة التنظيم أصدروا تعميمات «شرعيّة» عاجلة تحظر على أعضائه «المشاركة في أي شكل وإلى جانب أي طرف». وكان بيان «النفير العام» الذي أصدرته «الجبهة الوطنيّة» قد حرص على طمأنة «المهاجرين» (وهم «الجهاديون» غير السوريين) مؤكّداً «عصمة دمائهم»، وخيّرهم بين مناصرة «الجبهة الوطنيّة» أو اعتزال القتال. ويشكّل «المهاجرون» مركز الثقل الرئيس في صفوف «حرّاس الدين» المعتزل للقتال، ويحظون بحضور وازن داخل «النصرة». في الوقت نفسه، أكّدت مصادر «جهادية» لـ«الأخبار» أنّ «الجولاني باشر حملة اتصالات مكثّفة لاستقطاب مؤازرة من كل الإخوة المجاهدين في مختلف التنظيمات، فهذه حرب على الجهاد تحركها أميركا (الولايات المتحدة)». ولا يبدو أنّ التنظيمات «الجهاديّة» قد حسمت قرارها بعد، وكان لافتاً أنّ «الحزب الإسلامي التركستاني» لم يسارع إلى دخول المعركة، برغم أنّه يعد أقرب المجموعات «الجهاديّة» من «النصرة». على المقلب الآخر، وبرغم إعلان «النفير العام»، أكّدت معلومات متقاطعة أنّ الأطراف التي انخرطت في قتال «النصرة» حتى مساء أمس هي «حركة أحرار الشام الإسلاميّة» و«ألوية صقور الشام» إضافة إلى «الزنكي»، من أصل أكثر من عشر مجموعات تتكوّن منها «الجبهة». ومن بين المكوّنات التي لم تنخرط بعد في القتال يبرز «فيلق الشّام» الذي تصدّى لجهود الوساطة الأولى بالتعاون مع «جبهة أنصار الدين». وترى مصادر ميدانيّة معارضة أنّ «الفيلق» كان قد وافق على إعلان «النفير العام» مضطرّاً، فيما يبدو أنّ قرار انخراطه في مواجهة «النصرة» يحتاج إلى «ضوء أخضر» تركي. ويعزّز هذا الرأي صدور «تعميم» في وقت متأخر مساء أمس عن «القيادة العسكرية للجبهة الوطنية للتحرير» يطالب العناصر «على نقاط الرباط في الشمال المحرّر» بـ«عدم التدخّل في المعارك الجارية». وبرغم أنّ مصدراً مرتبطاً بـ«الجبهة الوطنيّة» أكّد لـ«الأخبار» أنّ «هذا التعميم تكتيكي، وموجّه إلى العناصر المرابطين على نقاط تماس مع جيش النظام»، فإنّ للمسألة وجهاً محتملاً آخر يشير إلى وجود انقسام في داخل «الجبهة الوطنيّة».

وعلمت «الأخبار» أنّ الإعداد قد بدأ لإطلاق مبادرة وساطة جديدة بتوافق بين عدد من «الوجوه الشرعيّة». وقال مصدر مطّلع على كواليس تشكيل «المبادرة» لـ«الأخبار» إنّ «بعض المشايخ عقدوا سلسلة اجتماعات، ودشّنوا حملة تواصل مكثّفة مع مشايخ آخرين لدعم المبادرة». ومن المتوقّع إعلان «المبادرة» في شكل «رسمي» اليوم أو غداً بمجرّد اكتمال «التحشيد» اللازم. ويؤكد المصدر أنّ المبادرة الجديدة ستستنسخ «مبادرة الصلح خير» التي سبق لها أن أفلحت في وضع حدّ لاقتتال سابقٍ بين «النصرة» وبعض مكوّنات «الجبهة الوطنية» قبل تشكيل الأخيرة. ولا يبدو نجاح أي وساطة أمراً يسيراً، في ظل اتساع رقعة القتال وتعدّد الجهات المخرطة فيها، علاوة على وجود تيارات رافضة للصلح داخل المعسكرين، ولا سيّما معسكر «النّصرة». ويقود «الشرعي» أبو اليقظان المصري التّيار الرافض داخل صفوف «النصرة»، ويؤازره قسم كبير من «المهاجرين» فيها. برغم ذلك، يبدو مسار المجريات القادمة رهناً بإشارة من «بوصلة أنقرة» القادرة على التأثير إلى حدّ كبير في الطرفين المُحتربين.



هل حقّاً قُتل أبو جليبيب؟
مع نهاية العام المنصرم، نعت مصادر «جهاديّة» من مختلف الجنسيات «الجهادي» الأردنيّ البارز إياد الطوباسي (أبو جليبيب). تضاربت الأنباء حول ظروف مقتل الطوباسي، ومكان وقوع الحادثة، والجهة التي قتلته. وتوافقت معظم المصادر على أنّ الطوباسي كان قد «غادر إدلب نحو محافظة درعا»، واختلفت حول مكان مقتله ما بين قائل إنّه «قُتل عند الحدود الأردنية» التي كان يحاول عبورها، ومؤكّد أنّه «قُتل في درعا التي وصلها ليعيد إحياء جهاد القاعدة فيها»، فيما لمّح رأي ثالث إلى أنّه «صُفّي داخل إدلب». وتتطلّب الرحلة من إدلب إلى درعا المرور حتماً بمناطق سيطرة الجيش السوري وحلفائه، وهي مهمّة صعبة. وكان الطوباسي قد قطع الرحلة في مسار معاكس قبل سنوات، شأنه شأن العراقي أبو ماريا القحطاني وعشرات «القاعديين»، لكنّ الظروف الميدانيّة وقتها كانت مختلفة، كذلك فإنّ الأنباء تحدثت في ذلك الوقت عن وجود «صفقة» سهّلت الرحلة. وتحدّث الناعون عن وجود مُرافقين اثنين للطوباسي شاركاه رحلته ومصيره «هما أبو زكريا المهندس (أردني)، وسلمان التونسي». وإذا ما صحّت هذه المعلومات فإنّ أوفر الروايات حظّاً من الدقّة، تلك التي قالت إنّ الطوباسي ورفيقيه «اتجهوا نحو درعا بالتعاون مع مهرّب محترف، لكنّه قتلهم في ريف السويداء الشمالي بالتعاون مع جهات أمنيّة سوريّة». ويفرض الغموض المحيط بالحادثة التساؤل عن حقيقة وقوعها، ولا سيّما أنّ ادعاء مقتل «القيادات الجهاديّة» تمهيداً لاختفائها ليس أمراً جديداً. وسبق أن أشيعت أنباء عن مقتل قياديين (في الحرب السورية وقبلها)، قبل أن يتضح لاحقاً (وأحياناً بعد سنوات طويلة) أن الأنباء كانت مغلوطة. ومن بين الأمثلة يبرز أبو الهمام الشامي (سمير حجازي) زعيم تنظيم «حرّاس الدين» الذي أشيع مقتله منذ سنوات حين كان «قائداً عسكرياً لجبهة النصرة» قبل أن يظهر لاحقاً على رأس التنظيم الجديد. الطوباسي أحد أوائل «المهاجرين» الذين دخلوا سوريا، وقاد «الجهاد» في درعا منذ عام 2011، وساهم في تأسيس «النصرة» و«حرّاس الدين».