طغت التصريحات الحادّة التي أطلقها ترامب ضد قادة الأجهزة الاستخبارية على فحوى التقرير السنوي الصادر عن هذه الأجهزة، الذي تمحور في جزء كبير منه حول «التهديدات» التي تشكّلها كل من الصين وروسيا على «الديموقراطية» و«النُّظم» العالمية. من جهة أخرى، لم يغفل التقرير الإشارة إلى أن سياسات واشنطن التجارية و«الأحادية» قد تدفع الشركاء الأجانب إلى البحث عن علاقات جديدة.

أثار التقرير الذي نشرته، أول من أمس، أجهزة الاستخبارات الأميركية في شأن التهديدات الدولية المتوقعة خلال العام المقبل، استهجاناً من الرئيس دونالد ترامب، الذي صعّد خلافه مع الاستخبارات، ووصفها بأنها «ساذجة» و«مخطئة»، ردّاً على الخلاصة التي توصلت إليها حول إيران. وجاء هجومه رداً على رفض الاستخبارات الحاسم للعديد من مزاعمه في شأن نجاح سياسته الخارجية، خصوصاً خلال إفادة قدّمها مديرو أجهزة الاستخبارات، أمام الكونغرس، تعقيباً على إطلاقها تقريرها السنوي.
وتوصّل التقرير المذكور إلى أنّ من غير المتوقع أن تتخلى كوريا الشمالية عن مخزونها النووي، وأن إيران لا تتخذ حتى الآن خطوات تجاه إنتاج قنبلة، ما يناقض مباشرةً «المنطق» الذي يقف وراء محدِّدَين أساسيَّين في سياسة ترامب الخارجية. وفي هذا الإطار، أشار التقرير إلى أنه على الرغم من أن كوريا الشمالية لم تقم بأي تجربة صاروخية أو نووية خلال أكثر من عام، مُعلنة دعمها لتجريد شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية، لكنها لا تزال تملك قدرات في هذا المجال. ورأى أنّ «من غير المحتمل أن تتخلى كوريا الشمالية عن أسلحتها النووية وقدراتها الإنتاجية، حتى وإن كانت تسعى إلى التفاوض على خطوات تساعدها على الحصول على تنازلات أميركية ودولية».
أما بالنسبة إلى إيران، فقد لفت التقرير إلى أنها «حالياً لا تضطلع بأنشطة رئيسية في إطار تطوير الأسلحة النووية، أو أنشطة لإنتاج جهاز نووي»، مضيفاً في الوقت ذاته أن «المسؤولين الإيرانيين هددوا علناً بإلغاء بعض التزاماتهم في إطار الاتفاق النووي ــ وبالتالي استئناف الأنشطة النووية التي تمنعها خطة العمل الشاملة ــ إن لم تحصل طهران على فوائد ملموسة من التجارة والاستثمار». فضلاً عن ذلك، أشار التقرير إلى أن إيران «تواصل تنفيذ الاتفاق النووي، ما يطيل المدة التي تحتاجها إيران من أجل إنتاج مواد كافية لأسلحة نووية، من أشهر إلى نحو عام». هذه الخلاصة دفعت ترامب إلى التأكيد أن برنامج إيران النووي لا يزال خطيراً، قائلاً إن مستشاريه الاستخباريين، الذين يعتقدون أن إيران تفي بشكل كبير بالتزامها الدولي بالتخلّي عن تطلعاتها للحصول على أسلحة نووية، «يجب أن يكونوا أكثر واقعية». وكتب على موقع «تويتر»: «يبدو أن موظفي الاستخبارات سلبيون وساذجون للغاية عندما يتعلق الأمر بأخطار إيران. إنهم مخطئون». وأضاف: «ربما كان يجدر بأجهزة الاستخبارات أن تعود إلى المدرسة».

ترامب: ربما كان يجدر بأجهزة الاستخبارات أن تعود إلى المدرسة


لكن هذه الخلاصات التي هاجمها ترامب جزء من تقرير شامل، قد يكون بأغلبه مناقضاً لمقاربة ترامب للملفات الخارجية. وعلى هذا الأساس، عدّه البعض موجّهاً إلى الرئيس الأميركي، خصوصاً أنه خلص إلى أن سياسات واشنطن التجارية و«الأحادية» ــ العناوين المركزية في منهج ترامب المتعلّق بـ«أميركا أولاً» ــ قد أديا إلى توتر التحالفات التقليدية، ودفعا الشركاء الأجانب إلى البحث عن علاقات جديدة. التقرير، المكوّن من 42 صفحة، شدّد على «التهديد» الذي تشكله كل من الصين وروسيا (على المستويات: السايبيري والاقتصادي والسياسي)، اللتين وصفهما بأنهما «أكثر انسجاماً من أي وقت مضى، منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، كما من المتوقع أن تصبح علاقتهما أقوى في السنوات المقبلة». ولم تقف الأجهزة الاستخبارية عند هذا الحدّ، بل رأت في تقريرها أن التهديدات للأمن القومي الأميركي ستتوسّع وتتنوّع خلال العام المقبل، مدفوعة جزئياً من قِبَل الصين وروسيا، اللتين تتنافسان مع الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها. وبحسب الاستخبارات الأميركية، تسعى روسيا والصين إلى تشكيل النظام العالمي وديناميات الأمن الإقليمي، وممارسة نفوذ على سياسات الدول واقتصاداتها في كل مناطق العالم، خصوصاً في الساحات الخلفية الخاصة بهما، كذلك فإنهما تمثّلان التهديد الأكبر على مستوى عمليات التجسّس والهجمات السايبيرية.
وتطرّق التقرير إلى مختلف «أعداء» الولايات المتحدة في المنطقة. ورأى أنه، خلال العام المقبل، «من المتوقع أن يواصل حزب الله تطوير قدراته الإرهابية، التي يراها أداة قيّمة»، مشيراً إلى أنّ «من المحتمل أن يحافظ حزب الله على القدرة لتنفيذ مجموعة هجمات على مصالح الولايات المتحدة في العالم». كذلك، لم يغفل مهاجمة «طموح إيران في المنطقة وقدراتها العسكرية المتطوّرة التي ستهدد مصالح الولايات المتحدة»، لافتاً إلى أنها «ستحاول ترجمة الانتصارات الميدانية في العراق وسوريا، إلى نفوذ سياسي وأمني واجتماعي واقتصادي على المدى البعيد، في الوقت الذي ستواصل فيه الضغط على السعودية والإمارات اللتين تدعمان الحوثيين في اليمن».
أما في ما يتعلّق بالداخل الإيراني، فقد لفت التقرير الاستخباري إلى أن «المتشددين سيكونون أكثر جرأة في تحدّي منافسيهم الوسطيين، من خلال تقويض جهودهم الإصلاحية المحلّية، والدفع باتجاه مواقف أكثر تصادمية مع الولايات المتحدة وحلفائها». وتوقّع «المزيد من الاحتجاجات خلال الأشهر المقبلة»، ذلك أن «قدرة روحاني على القيام بإصلاحات اقتصادية تبقى محدودة». وأكد التقرير أن «إيران ستواصل تطوير القدرات العسكرية التي تهدد القوات الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة»، مضيفاً أنها «قد تزيد من مضايقاتها للسفن الحربية التابعة للولايات المتحدة وحلفائها، والسفن التجارية في الخليج الفارسي، ومضيق هرمز وخليج عمان».
أما عن السعودية، فقد أفاد تقرير الأجهزة الاستخبارية بأن «ولي العهد محمد بن سلمان، يواصل السيطرة على المفاتيح الأساسية للسلطة في السعودية، ولكن دفعه المتزامن للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي يخلق بؤر توتر ومعارضة داخلية». ولا يغفل التقرير الإشارة إلى أن «الدعم العام للعائلة المالكة يبقى عالياً، حتى في أعقاب جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي»، ملمّحاً في ذلك إلى دور للعائلة في الجريمة. وتطرّق التقرير إلى التطورات في سوريا، متوقعاً أن «يركز النظام على استعادة سيطرته على ما بقي من مناطق، وبالتالي يتمكن من استعادة السيطرة على شرق سوريا». كذلك، رأى أنّ من المتوقع أن «يبقى الحوثيون والتحالف الذي تقوده السعودية بعيدين عن الوصول إلى نهاية للقتال عبر المفاوضات»، معتبراً أنه «يبدو أن أياً من الطرفين ليس مستعداً لتقديم تنازلات، ما يعني أن الأزمة الإنسانية ستتواصل».