القاهرة | تدخلُ مصر، الأسبوع المقبل، أولى مراحل تعديل الدستور لتمديد ولاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي يٌفترض بموجب الدستور الحالي أن تنتهي في حزيران/ يونيو 2022، وألّا يحق له الترشّح مجدداً من بعدها. مرحلة بدأت بتمهيد من الأجهزة الأمنية المختلفة على مدار شهور، وانتهت في الأيام القليلة الماضية بطلب نواب من البرلمان الشروع في التعديل رسمياً، وهي خطوة يتوقع أن تتمّ بسرعة، ليجري بعدها الاستفتاء على التعديل شعبياً ما بين آذار/ مارس ونيسان/ أبريل المقبلين، وفق السيناريو المُقرَّر سلفاً، لتعلَن النتيجة قبل بداية رمضان المقبل. إلا أنه، حتى الآن، لم تعبّر الأجهزة الرسمية عن مطلبها بصراحة في ما يتعلّق بمدة الولاية الرئاسية، بين مَن يطلب تمديد الحالية عامين، وبين من يقول إن التعديلات سيكون هدفها جعل مدد الرئاسة مفتوحة، وآخرين يرون أن التعديل سيكون بجعلها ما بين 5 و6 سنوات اعتباراً من الانتخابات المقبلة، على أن يسري ذلك على جميع المرشحين، بما يجعل السيسي قادراً على البقاء في السلطة حتى 2034!

اللافت أن الدولة حوّلت جميع معارضي تعديل الدستور إلى مؤيدين، بمن فيهم عمرو موسى رئيس «لجنة الخمسين»، التي وضعت الدستور الحالي. فموسى، الذي رفض سابقاً تعديل الدستور مع بدء تحركات لترشّحه للانتخابات الرئاسية المقبلة، عَدَل عن موقفه بضغوط ومساومات سياسية، والآن هو يؤيد التعديل، «لكن بحرفية شديدة، نظراً إلى حساسية الأمر»، إذ إن الأجهزة الأمنية التابعة لـ«الجنرال»، الذي أعلن بنفسه أنه لا يريد الترشّح مجدداً في 2022 (التزاماً بالدستور الحالي)، أجبرت موسى على تغيير موقفه والظهور تلفزيونياً لتأييد التعديل، وفق ما قال إنها «ضوابط حوار مجتمعي بناء»، في ما يؤكد أن الدولة لن تسمح بأي أصوات مناهضة للتعديل، خاصة أن غالبية الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني المعارضة بات أعضاؤها مطاردين أو محبوسين أو ممنوعين فعلياً من ممارسة العمل السياسي.
لجهة التطبيق، رفع البرلمان جلسات الانعقاد بداية الأسبوع الجاري. ودعا رئيس المجلس، علي عبد العال، النواب، إلى الاجتماع الأسبوع المقبل، فيما يتحدث عدد من نواب الغالبية (ائتلاف دعم مصر) عن انتظارهم إشارة التحرك لتقديم طلب تعديل الدستور وتحديد المواد التي سيطاولها، وستكون من بينها مواد خاصة بالعدالة الانتقالية والمصالحة وآليات الإنفاق على ميزانيات الصحة والتعليم، ليشمل التعديل نحو 30 مادة على الأقل، في مقدمتها مدة الرئاسة. وفق مصادر برلمانية تحدثت إلى «الأخبار»، طلبت التكليفات الأمنية من النواب التركيز على محاور عديدة في التعديلات، وعرضها إعلامياً وداخل المجلس، واستخدامها في التواصل مع السفارات وغيرها من الجهات الأوروبية التي ستتابع التعديلات عن كثب، مؤكدين أن التشديد سيكون على «رفض المصالحة مع الإرهابيين، وإلغاء عدد من مواد العدالة الانتقالية بموجب تغير الظروف»، كما ستُحذف مجموعة العبارات الخاصة بالمناطق الحدودية.

حتى أكبر معارض للتعديلات، أي عمرو موسى، صار مؤيداً لإجرائها


في السياق نفسه، قال مصدر رفيع إن اختيار هذا التوقيت لانطلاق التعديلات «مرتبط بعوامل داخلية وخارجية»، في مقدمتها التفاهم مع الولايات المتحدة (بعد زيارة وزير الخارجية مايك بومبيو)، وكذلك التنسيق مع أوروبا، خاصة أن «الاضطراب الذي يمرّ به الاتحاد الأوروبي يجعل عدداً من البلدان التي يمكن أن تتخذ مواقف مناهضة للتعديل الدستوري منشغلة في شؤونها، خاصة بريطانيا وفرنسا وألمانيا». أما عن انتقادات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لمسألة التعديلات، خلال زيارته الأخيرة للقاهرة، فأكد المصدر أن ماكرون «لن يستطيع اتخاذ موقف عدائي... هذه الخطوة ستُجرى في إطار ديموقراطي، ومن دون تزوير، وسيُسمح بمراقبة منظمات المجتمع المدني المسجلة لدى وزارة التضامن وعدد محدود من المنظمات الدولية، وفق شروط محددة وبأعداد قليلة من المراقبين غير المصريين»، مشدداً على أن «موقف ماكرون الشخصي لن يكون ذا إجماع أوروبي... المصالح المشتركة بين القاهرة وباريس تجعل من المستحيل اتخاذ إجراءات اقتصادية أو سياسية ضدنا».
هكذا، تقوم الاستراتيجية المصرية على استغلال الوضع الإقليمي والدولي، ولا سيما مع تسلّم السيسي في العاشر من هذا الشهر الرئاسة الدورية لـ«الاتحاد الأفريقي» (ثمة توصيات بالاحتفاء بهذا الحدث إعلامياً)، إضافة إلى التحشيد لافتتاح عدد من المشروعات الداخلية بما يدعم الرئيس أمام مواطنيه. ويضيف المصدر نفسه أن هناك رغبة في إنهاء التعديلات قبل نهاية العام المالي الجاري (الشهر السابع)، خاصة أن العام المالي المقبل سيشهد قفزات في الأسعار، خاصة الوقود والكهرباء.
وتؤكد أوساط عديدة أن عملية التمهيد الحالية للتعديلات تجري على مستوى أعلى من المستويات السابقة التي تطرّقت إلى التعديل، خاصة أنها تأتي من كاتبي الدستور أنفسهم الذين يقولون إن الظروف تغيرت، وإن الدستور كُتب في وضع غير مستقر. ويتفق ذلك مع خروج الخبير الدستوري، صلاح فوزي، وهو أحد المشاركين في وضع الدستور، بتصريحات قال فيها إن هناك مواد كُتبت تحت ضغط الاعتصامات الفئوية، في إشارة إلى احتجاجات الإسلاميين، مشيراً ـــ في سياق التبرير ـــ إلى أن الدستور الفرنسي خضع لتعديلات 24 مرة في أقل من 60 عاماً، وهذا «يؤكد أن الدستور المصري ليس بمنزلة القرآن الذي لا يمكن تغييره».