شنّت «مصلحة السجون» الإسرائيلية، فجر الاثنين الماضي، أعتى هجوم على الأسرى الفلسطينيين في سجنَي «النقب» و«ريمون»، ما أدى إلى جرح عشرات نُقل بعضهم إلى المستشفيات، إضافة إلى عدم معرفة مصير الأسيرين إسلام وشاحي وعدي سالم. وبعد الحملة الشرسة، خرج ممثل «المصلحة» إلى الإعلام، قائلاً إن «جميع الأسرى عادوا إلى السجن، ولا يوجد أي أسير داخل المستشفيات، (لكن) هناك من وُضع داخل العزل الإفرادي».

رغم هذا الادعاء، تحدثت مصادر خاصة إلى «الأخبار» عن أنه إضافة إلى وشاحي وسالم، هناك أربعة أسرى لا يُعرف مصيرهم حتى اللحظة، هم: سليمان مسالمة، ومحمود عمارنة، وخليل أبو عرار، وعماد موسى، مرجحةً أنهم في مستشفى سوروكا أو أحد مستشفيات النقب، من دون معرفة وضعهم الصحي. المصادر وصفت ما حدث بـ«المحرقة»، وقالت إن «مصلحة السجون» لا تزال منذ «يوم القمعة» تمنع عشرات الأسرى من الحصول على فراش للنوم أو الاستحمام، مع أن بعض الأسرى لا تزال الدماء على ملابسهم.
الاعتداء الإسرائيلي الأخير غير مرتبط بنيّة إدارة المعتقلات تركيب أجهزة التشويش فقط، بل يأتي في سياق طويل، بدءاً بموافقة الحكومة الإسرائيلية على ما عُرف إعلامياً بـ«خطة إردان» (وزير الداخلية غلعاد إردان) التي تنص على اتخاذ إجراءات تضييق على الأسرى، منها تركيب أجهزة التشويش على الهواتف المهربة، وعدم فصل أسرى الفصائل بعضهم عن بعض. وما أسهم في زيادة العنف، تعيين رئيس جديد لمكتب ممثلية «مصلحة السجون» مطلع العام الجاري، هو آشر فاكنين، المعروف بمواقفه المتشددة ضد الأسرى. وكان فاكنين قد قال في تصريحات إن المفتشة السابقة، عوفرا كلينغر، «تعاملت بنعومة» مع الأسرى.
صحيح أن التشديدات لم تتوقف عند تركيب أجهزة التشويش التي يؤكد الأسرى أنها مسرطنة، لكن هذه القضية كانت الشرارة المُفجّرة للخطة، ما قاد في النهاية إلى اقتحام جنود العدو الغرف في القسمين 3 و4 في «النقب»، وإطلاق الرصاص الحيّ وقنابل الغاز، فأصيب العشرات ونقل بعضهم بواسطة المروحيات إلى المستشفيات بسبب خطورة وضعهم. ولم يكتفِ الجنود باستخدام السلاح، فجمّعوا الأسرى في ساحة السجن وهم معصوبو الأعين ومكبّلو الأيدي إلى الخلف، وأجلسوهم على الأرض حتى الصباح تحت المطر.

الاعتداء الأخير يأتي في سياق طويل، بدءاً بالموافقة على ما عُرف إعلامياً بـ«خطة إردان»


بعد ذلك، أعلنت «مصلحة السجون» حالة طوارئ في سجون جنوب فلسطين المحتلة كافة، لا في «النقب» و«ريمون» فقط، كما يُشاع. ووفق المحامية أماني إبراهيم، فإنها تلقت رداً صارماً من ضابط تنسيق الزيارات في «النقب» على طلب زيارة عدد من الأسرى المصابين، بالقول إنه «بصدد الأحداث الأخيرة، هنالك حالة متوترة وعدم ثبات لأسرى حماس، ولذلك لن نسمح بزيارة محامين حتى إشعار آخر».
وكان من المفترض أن تزور إبراهيم الأسرى المصابين في «ريمون» و«النقب»، لكن الطلبين اللذين تقدمت بهما جوبها بالرفض، وهو ما تكرر مع محامين آخرين حاولوا زيارة المصابَين في «عسقلان» بعدما طعنا سجانين رداً على القمع. كذلك مُنع محامون آخرون كانت لديهم زيارات مقررة مسبقاً حتى في سجون ليست في الجنوب، ولأسرى ليسوا من «حماس». ونُقلت إلى هؤلاء رسالة مفادها أن «الوزير إردان يتابع ملف المصابين شخصياً، وينوي التصعيد إلى أقصى الحدود».
بالإضافة إلى المحامين، مُنع أهالي الأسرى من مدينتي بيت لحم والخليل من زيارة أبنائهم، وفور وصول الحافلات التي أقلّتهم إلى سجون الجنوب (إيشل، وريمون، والنقب) أُبلغوا بأن هناك حالة طارئة، وأن الزيارة ممنوعة. على هذه الخلفية، يعني إعلان «الطوارئ» في السجون، ومنع المحامين من الزيارة، استفراداً واضحاً بالأسرى، ومحاولة لمنع إيصال أخبارهم ورسائلهم إلى الخارج. كل هذا يُضاف إلى أن المصابين منهم لم يتمكنوا حتى اللحظة من التحدث والكشف عما حدث بالضبط.
وآخر المستجدات في شأن الأسيرين اللذين طعنا سجانين، قرار شرطة العدو أمس اعتبار ما حدث «عملية إرهابية»، ستتولى «الوحدة القطرية لمكافحة الجرائم الخطيرة والدولية» التحقيق فيها، إلى جانب «جهاز الأمن الداخلي» (الشاباك) و«مصلحة السجون». ولا تلغي محاولة تصوير العدو ما حدث على أنه «عمل إرهابي» حقيقة أنه رد فعل طبيعي على ما يجري منذ شهرين ضد الأسرى، الأمر الذي أكدته التوكيلات التي أعطوها للمحامين بتقديم شكاوى باسمهم ضد إدارة السجن بعد تركيب «أجهزة مسرطنة تُشوش على الاتصالات».
ووفق ما سمعته إبراهيم من أسرى زارتهم قبل أقل من شهر، تركت «مصلحة السجون» النفايات في أقسام السجن لأسبوعين كاملين بجانب الأسرى، وتعمدت ذلك رغم كل ما يسببه، سواء من أمراض أو تلوّث أو رائحة، والحديث هنا ليس فقط عن نفايات عضوية، بل أيضاً عن نفايات المراحيض! في الوقت نفسه، صعّدت «المصلحة» إجراءاتها ضد كل الأسرى في سجون الجنوب، بغضّ النظر عن مشاركتهم في إحراق الغرف في «ريمون» و«النقب» أو لا، وفرضت غرامات باهظة بتهمة حرق الغرف على أن تقطعها من أموال «الكانتينا» (المشتريات)، فيما وضعت أسرى في العزل الانفرادي، ونقلت آخرين إلى أقسام مختلفة، رغم تحذيرات مسؤولين أمنيين إسرائيليين من أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد في السجون وخارجها.