لا تشبه انتخابات إسرائيل للعام الجاري 2019 أيّاً من انتخاباتها السابقة. إذ إن الفوز والخسارة فيها لا يرتبطان بالحزب الذي ينال العدد الأكبر من المقاعد في الكنيست، بل بما ستحصّله الأحزاب الصغيرة المترنحة بين البقاء في الحلبة السياسية أو السقوط، وهو الأمر الذي سيحسم تغلّب معسكر على آخر، ما بين يمين ووسط ــــ يسار. بناءً على ذلك، لا يعني تحقيق حزب «أزرق أبيض» المرتبة الأولى في الانتخابات أنه فاز بها من ناحية فعلية، وأن رئاسة الحكومة باتت محسومة لرئيسه بني غانتس. والحال نفسها تنسحب على حزب «الليكود»، الذي لا يعني تصدّره النتائج أن بنيامين نتنياهو سيكون رئيساً للحكومة المقبلة.

هذه هي مفارقة الانتخابات المرتقبة غداً، والتي تقاد فعلياً على مستوى المعسكرات أولاً (اليمين والوسط واليسار)، وعلى مستوى الأحزاب ثانياً، ما يستتبع انتظار النتائج كاملة حتى آخر تفصيل فيها، لتحديد الفائز من الخاسر. معنى ذلك، أن نتيجة الانتخابات ستتحدّد وفقاً للحصيلة الكلية لمعسكر من المعسكرين المتنافسَين: اليمين من جهة، والوسط واليسار من جهة مقابلة.
على خلفية المحددات الواردة في قانون الانتخاب، وأيضاً ما تراكم من استطلاعات رأي خلال الحملة الانتخابية بين الأحزاب، بات بالإمكان الإشارة إلى الآتي:
1ــــ تجرى الانتخابات في إسرائيل، وفقاً للقانون، مرة كل أربع سنوات، ما لم تقرر الأغلبية في الكنيست حلّ الندوة البرلمانية والتوجه إلى انتخابات مبكرة، باتت هي القاعدة عملياً في إسرائيل. وتُنظَّم الانتخابات وفقاً للقانون النسبي، على قاعدة الدائرة الواحدة. وبموجب القانون، فإن الحدّ الأدنى من الأصوات المطلوبة لتجاوز اللوائح، العتبةَ الانتخابية، هو 3.5 بالمئة من عدد الناخبين (نسبة الحسم)، أي ما يعادل أربعة مقاعد. وبحسب آخر استطلاع رأي نُشر في إسرائيل (القناة العاشرة)، يبدو أن سبعة أحزاب قريبة من العتبة الانتخابية، في مقدمها حزب «كولانو» برئاسة وزير المال موشيه كحلون، وحزب «إسرائيل بيتنا» برئاسة وزير الأمن المستقيل أفيغدور ليبرمان، وغيرهما. سقوط اثنين من تلك الأحزاب قد يؤدي إلى فقدان معسكر اليمين الأغلبية، وبالتالي القدرة مبدئياً على تأليف الحكومة. وبلغة الأرقام، ودائماً بحسب استطلاعات الرأي، إذا لم يتجاوز أحد الأحزاب اليمينية الصغيرة العتبة الانتخابية، فإن معسكر اليمين يتراجع إلى 62 مقعداً (120 مقعداً هو عدد المقاعد الكلي للكنيست)، إلا أنه قد يتراجع إلى ما دون 60 مقعداً إن سقط حزبان يمينيان.
2ــــ لا يفرض قانون الانتخابات على الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، تكليف رئيس الحزب الذي يفوز بالعدد الأكبر من مقاعد الكنيست، بل عضو الكنيست الذي يراه قادراً على تأليف الحكومة، الأمر الذي ينفي تلقائية التكليف وفقاً لنتيجة المقاعد ما بين غانتس ونتنياهو، الحزبين الأكبرين في هذه الانتخابات، علماً بأن ريفلين، «الليكودي»، من خصوم نتنياهو داخل البيت الحزبي، وهو ما يثير احتمال اتباعه الاستنسابية على خلفية الخصومة، وتكليفه غانتس، سواء حلّ حزبه أول أو ثانياً.

العملية السياسية مع الفلسطينيين تراجعت إلى الهامش


3ــــ يتعذر على غانتس، في حال تكليفه (وفقاً لكل استطلاعات الرأي خلال الأشهر الثلاثة الماضية)، تشكيل ائتلاف حكومي من أحزاب الوسط واليسار، نتيجة فقدان هذا المعسكر أغلبية مقاعد الكنيست، الأمر الذي يفرض عليه أن ينتظر مفاجآت، عبر تعزيز مقاعد معسكره بما يزيد على نتائج الاستطلاعات، التي لا تستبعد في حال سقوط عدد من الأحزاب الصغيرة لدى اليمين، فوز معسكر الوسط، وإن كانت الأرجحية مقلصة.
4ــــ في آخر استطلاع للرأي نشر على «القناة 13»، استقرت المعركة على الصدارة بين «الليكود» و«أزرق أبيض» على تعادل في المقاعد، بعدما كانت طوال فترة الحملات الانتخابية، متلاصقة بين الجانبين. إذ حظي كل منهما بـ 28 مقعداً. لكن في المقابل، حافظ اليمين على تفوقه على معسكر يسار الوسط بـ 66 مقعداً. على خلفية هذه النتائج، بات بالإمكان فهم حديث نتنياهو عن أن حكم اليمين في خطر، لأن أنصار اليسار يغادرون منازلهم للتصويت، فيما اليمين مطمئن إلى النتيجة. إذ يدرك نتنياهو أن الإصرار في وسائل الإعلام على فوز اليمين يقلّص دافعية ناخبيه للتوجه إلى صناديق الاقتراع، ويحفز ناخبي الوسط واليسار. وهي خشية في محلها، وقد تتسبب فعلاً بمفاجآت يوم الانتخاب.
5ــــ بات مرجحاً أن يكون عدد الأحزاب الصغيرة كبيراً في الكنيست المقبل (ستة أحزاب)، كما تظهر النتائج الكلية لاستطلاعات الرأي. وهذا يعني أن «الليكود» أو «أزرق أبيض» سيضطر إلى الائتلاف مع عدد منها، ليس باتجاه تحقيق استقرار أكبر للائتلاف المقبل، وإفهام الشركاء الآخرين محدودية الحاجة إليهم في حال التباين والخلاف معهم، بل من أجل تحقيق الأغلبية المطلوبة في الكنيست، الأمر الذي يعني تعرض رئيس الحكومة المقبل لكثير من الابتزاز، وإمكانية تعثر قراراته ما لم يدفع الثمن المطلوب، وخاصة إن كان «الحلفاء» من الأحزاب الدينية التي تزيد شهيتها للمكاسب في ظروف كهذه.
هي إذاً انتخابات بين المعسكرات، أكثر من كونها انتخابات بين الأحزاب. وللصوت الواحد فيها أهمية قد تزيد على أهمية صوت الناخب في النظام الأكثري، كون الأحزاب الصغيرة التي تخوض معركة مصير هي التي ستقرر فعلياً أياً من المعسكرين سيفوز. أيضاً، ثمة شبه غياب لليسار التاريخي عن هذا الاستحقاق. ومع استقرار تصنيف حزب «العمل» على ضفة يسار الوسط بعدما انزاح عن كتلة اليسار منذ التسعينيات، يبقى في ذلك المعسكر حزب «ميرتس» الذي يكاد يلعب وحيداً، مع توقعات بأن يحظى بعدد مقاعد لا يتجاوز السبعة. اليسار في إسرائيل، من ناحية فعلية، سيحوز سبعة مقاعد من أصل 120 مقعداً. ومع عشرة مقاعد لفلسطينيي 48، الذين هم خارج اللعبة السياسية وخارج التأثير فعلياً ــــ هذا إن وصلوا إليها ــــ، سيبقى للناخب الإسرائيلي 103 مقاعد للتنافس عليها، ما بين أحزاب وتكتلات اليمين الفعلي رغم التفنّن في مسمياته، وما بين الأحزاب الدينية التي بدورها تتراجع وتخسر ناخبيها لمصلحة الأحزاب اليمينية.
من مفارقات هذه الانتخابات، أن العملية السياسية مع الفلسطينيين تراجعت إلى الهامش، وغابت عن صدارة برامج الأحزاب السياسية. إذ ينحو الجميع يميناً، من اليسار إلى الوسط، ومن الوسط إلى اليمين، ومن اليمين إلى اليمين الأكثر تطرفاً، ويسعى إلى إفهام الآخرين بأنه يميني، حتى وإن جرى وصفه بالوسطية. في إسرائيل عام 2019، باتت كلمة اليسار تهمة، وبات أصحابها يتبرأون منها. وهذا ما يجب أن يكون ماثلاً أمام الجميع، لدى الإعلان عن النتائج.



«بيبي» غير مطمئن لحلفائه
على رغم أن فوز معسكر اليمين بات مرتبطاً بتخطّي الأحزاب الصغيرة العتبة الانتخابية، إلا أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، لم يمتنع، على بعد أيام قليلة من التصويت، عن إدخال تكتيك جديد على حملته، من شأنه حرمان تلك الأحزاب، اليمينية تحديداً، من أصوات كان يفترض أن تصبّ في مصلحتها. إذ حثّ نتنياهو، الإسرائيليين، على التصويت لمصلحة حزب «الليكود»، محذراً من أن «(مائير) لبيد و(بني) غانتس (تحالف أزرق أبيض) يتفوقان علينا بأربعة مقاعد، وإذا لم نسدّ الفجوة فسوف يشكلان الحكومة». ويستبطن حديث نتنياهو تخوّفاً من ألا يعمد جميع حلفائه المفترضين إلى ترشيحه لرئاسة الحكومة المقبلة، وخصوصاً بعدما أعلن رئيس الدولة، رؤوفين ريفلين، أنه إذا لم يوصِ 61 عضو كنيست باسم مرشح لرئاسة الحكومة، فقد يلجأ إلى خيار تكليف رئيس أكبر كتلة. سيناريو عمد نتنياهو أخيراً إلى تخويف اليمين والمستوطنين منه، مشدداً على تبنّيه طروحاتهم المتصلة بالضفة الغربية والمستوطنات.
(الأخبار)