بعد صمت دولي على هجوم قوات المشير خليفة حفتر على العاصمة طرابلس في اليومين الأولين، بدأ تتالي المواقف الخارجية خلال الساعات الماضية يثبّت اختلاف الأجندات الإقليمية والدولية في ليبيا. فبعد بريطانيا، أولى الدول التي ندّدت بشكل صريح بهجوم حفتر، بقول سفيرها جيرمي هنت إنه «لا ي وجد تبرير لتحركات قوات حفتر تجاه طرابلس»، انضمت الولايات المتحدة، أمس، إلى صفوف المندّدين، وذلك على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو، الذي قال إن بلاده تعارض «الاعتداء العسكري من قِبَل قوات خليفة حفتر».

في المقابل، أعاقت روسيا، خلال اجتماع لمجلس الأمن أول من أمس، صدور بيان موحد يندّد بالحرب التي أطلقها حفتر السبت الماضي. وعلى رغم أنها شددت في الأيام الماضية على عدم انحيازها إلى أي طرف، يبقى موقف موسكو داعماً لحفتر. وفي هذا الاتجاه أيضاً، بدا الموقف الفرنسي متردداً في إدانة حفتر؛ فرغم تأكيد السفيرة الفرنسية في طرابلس، بياتريس لوفرابير دوهيلين، أمس، لوزير داخلية الوفاق، فتحي باشاغا، «دعم فرنسا لحكومة الوفاق»، وأن «لا أجندة خفية (لفرنسا) في ليبيا»، عبّر باشاغا عن «استياء المواطنين من الموقف السلبي الذي اتخذته فرنسا حيال قوة حفتر التي غزت مناطق من جنوب العاصمة»، بحسب ما أورد بيان وزارة الداخلية، في حين كانت باريس تدافع عن المعارك التي خاضها في جنوب البلاد.
الموقف الفرنسي المرتبك لمّحت إليه إيطاليا أيضاً، المستعمر القديم لليبيا، وصاحبة المصالح الكبرى فيها؛ يقول وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء، ماتيو سالفيني، أمس، «(إننا) في حوار مع جميع الأطراف المعنيين، لكن من الواضح أننا لا نستطيع القيام بذلك بمفردنا، وسيكون من المهم أن يصب الحلفاء الأوروبيون أيضاً الماء على النار وليس البنزين». كما ظهرت أصوات تدين الموقف الفرنسي بشكل أوضح، من بينها لسيناتورة عن حزب «فورتسا إيطاليا»، التي رأت أن «فرنسا أعطت الضوء الأخضر للهجوم على طرابلس، ليكون لها رأي في ما بعد في تقسيم موارد الطاقة في البلاد».

الطائرة التي قصفت مطار طرابلس ليست تابعة لحفتر


يشي هذا التضارب في المواقف الدولية بصدام مرتقب حول ليبيا، وبالتالي إطالة أمد الحرب. وهو ما يعزّزه سحب قوات أميركية وأخرى هندية كانت موجودة في منتجع دبلوماسي غرب العاصمة. وفي حال استمرت الحرب، فمن الممكن للولايات المتحدة أن تستعيد زمام المبادرة في البلاد، بعد فترة انكماش أعقبت وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، خاصة مع بروز مؤشرات على وجود إرادة روسية للعب دور ما، تغذيها دعوات إلى التدخل من معسكر شرق ليبيا. وأحدث تلك الدعوات جاء أمس، على لسان وزير الخارجية في حكومة الشرق، عبد الهادي الحويج، الذي طالب موسكو برعاية مشروع «سوتشي لليبيا»، أي مؤتمر مصالحة شبيه بمؤتمر سوتشي المتصل بالأزمة السورية.
وفي ضوء الانقسام الدولي، تمادت قوات حفتر في تصعيدها أمس، وأقدمت على قصف مطار معيتيقة الدولي، الوحيد العامل في العاصمة، بحجة أنه يُستخدم لإطلاق طائرات عسكرية، ما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية وخروجه عن الخدمة. وأوضح المعلق السياسي المقرّب من حكومة الوفاق، نعمان بن عثمان، أن الطائرة التي قصفت مطار طرابلس ليست تابعة لحفتر، مشيراً إلى أن العمل بدأ منذ مدة على «تجهيز قاعدة الخروبة لنشر طائرات رافال تابعة لسلاح جو دولة عربية». ويتقاطع حديث عثمان مع حديث مصادر في بنغازي عن أن حفتر، وخلال اجتماعه الأخير مع الملك السعودي سلمان، ومن ثم مع ولي عهده محمد، قبل أيام من إطلاق العملية العسكرية في طرابلس، طلب تمويل صفقة أسلحة روسية من السعودية، بالإضافة إلى دعم بالقوات الجوية، مقابل تعهّد ببناء مدرج عسكري خاص بالمملكة في ليبيا. وحتى الآن، يتلقى حفتر دعماً جوياً من مصر، بطائرات حربية تنطلق من قاعدة محمد نجيب المطلة على البحر المتوسط (راجع عدد أمس). وقد ظهرت أولى إشارات هذا الدعم في تنفيذ طائرتين عسكريتين مناورة في سماء طرابلس، أول من أمس، قامتا خلالها برسم قلب يخترقه سهم في السماء، وهي مناورة سبق أن أدّتها نفسها طائرات مصرية في عرض عسكري، وهي تستوجب إمكانات وخبرة وتدريباً يفتقدها طيارو حفتر، الذين لا يحلقون دورياً ويستخدمون طائرات متهالكة.
على أي حال، لا يعتبر الدعم الجوي المصري والإماراتي أمراً جديداً، فقد ظهر بشكل جلي خلال العمل على اقتحام مدينة درنة في شرق البلاد، حيث صُوّرت طائرات مسيرة صينية الصنع من نوع «وين لونغ» تمتلكها الإمارات. كما أعلنت مصر قصفها للمدينة أكثر من مرة، وتسربت أخبار عن خدمات جوية يقدمها الرئيس السابق لشركة «بلاك ووتر»، إريك برانس، عبر شركته الجديدة العاملة في الإمارات، وأخبار أخرى عن توفير فرنسا طائرة استخبارية لاعتراض المكالمات وتحديد المواقع. وسبق أن كشفت «مجلة تايم» أن الإمارات أنشأت قاعدة عسكرية في مطار الخادم، على بعد نحو 100 كيلومتر من مدينة بنغازي عام 2016، تنطلق منها طائرات هجومية من طراز «802-AT»، لدعم قوات ما يسمى «عملية الكرامة» التي قادها حفتر.