الخرطوم | كما كان متوقعاً، رفض «المجلس العسكري» الوثيقة الدستورية التي طرحها تحالف «إعلان الحرية والتغيير» على طاولة المفاوضات في شأن المرحلة الانتقالية وتسليم السلطة للمدنيين، لكن ما كان مفاجئاً هو تبريره الرفض بأن الوثيقة أغفلت مصادر التشريع، وأنه متمسِّك بأن تكون الشريعة والأعراف والتقاليد مصدراً للتشريع في البلاد. فالحديث عن التشريع، وصفه القيادي في الاحتجاجات، خالد عمر يوسف، بالأمر «المحزن والمضحك»، مشيراً إلى أن «هذه الوثيقة (الدستورية) لا علاقة لها بالدستور»، فيما رأى عضو اللجنة المركزية في «الحزب الشيوعي السوداني»، صدقي كبلو، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الزجّ بمصدر التشريع، محاولة خبيثة لطرح مسألة الهوية والدولة، وهي نقاط يجب أن تُثار في المؤتمر الدستوري القومي»، لافتاً إلى أن «كل الدساتير التي مرَّت على البلد لا تحتوي على نصّ حول مصادر التشريع، في محاولة للتنكر لالتزامات السودان الدولية والإقليمية، خاصة في ملف حقوق الإنسان».

ويبدو أن الحديث عن «التشريع» لم يكن سوى غطاء لتحفظات المجلس، والتي بدت في رده المكتوب عليها، كما نشره عضو وفد التحالف المعارض، المفاوض محمد ناجي الأصم، في «فايسبوك» مساء أمس، مشيراً إلى أن المجلس «يريد أن تكون له الأغلبية في القرار والكلمة في المجلس السيادي، مع صلاحيات تُركّز كل السلطة في هذا المجلس»، فصّلها «العسكري» بأن يكون له تعيين رئيس مجلس الوزراء وأعضاء حكومته، وتعيين وإعفاء أعضاء المجلس التشريعي، وتعيين رئيس القضاء والمستشارين وأعضاء النيابة العامة، وإبرام الاتفاقيات والتحالفات العسكرية مع الدول الصديقة، وإعلان الحرب وحالة الطوارئ، وتعيين السفراء، وتشكيل مجلس القضاء الأعلى، وتعيين حكام الأقاليم.
وكشف الأصم، في حديث إلى «الأخبار»، عن خطة تصعيدية «ستُطبّق خلال الأيام المقبلة»، سيستخدمون فيها «كل الخيارات السلمية الجماهيرية المتاحة، حتى يتراجع المجلس» عمّا وصفها بـ«المواقف الخطيرة على الثورة السودانية».
وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الرد المتأخر على الوثيقة جاء وسط أنباء عن وصول المستشار الأمني لولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، القيادي المفصول من «حركة فتح» محمد دحلان، برفقة وزير دولة إماراتي إلى الخرطوم على متن طائرة إماراتية، أول من أمس، للقاء قيادات في المجلس العسكري.

كشف «تجمع المهنيين» عن خطة تصعيدية «ستُطبق خلال الأيام المقبلة»


من جهته، اتهم القيادي في قوى «إعلان الحرية والتغيير»، ساطع الحاج، في حديث إلى «الأخبار»، «المجلس العسكري» بـ«محاولة الالتفاف وتطويل أمد انتقال السلطة إلى المدنيين». وأعلن أن «الخطوات التصعيدية قد تصل إلى العصيان المدني حتى يتم انتزاع السلطة». وفي الإطار نفسه، رأى المتحدث باسم التحالف المعارض، خالد عمر، في حديث إلى «الأخبار»، أن «المجلس لا يريد الاستجابة لمطالب الشارع، لذلك هو يسعى إلى التأخير في اتخاذ القرارات، لعله يكسب نقاطاً تجعله في موقع يسمح له بتشكيل سلطة انتقالية تكون له اليد العليا فيها»، منبهاً إلى أن «هناك أزمات كثيرة تمر بها البلاد الآن (وقود وكهرباء ومياه وسيولة وخبز)، ومن مصلحة البلد أن يتفرغ الجميع لحل المشكلات المعيشية التي تواجه الناس». وحول مصير المفاوضات المباشرة بين الجانبين، أشار عمر إلى أنهم كانوا يتوقعون، «بعد دراسة الوثيقة، استئناف المفاوضات المباشرة مرة أخرى، لكن المجلس العسكري اتجه إلى أجهزة الإعلام، ما يُصعب عملية التفاوض».
لكن كبلو رأى، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «المجلس العسكري» يريد من المفاوضات «كسب الوقت وإجراء اتصالات مع جهات سياسية أخرى»، محذراً من أن «محاولة المجلس مسك العصا من النصف في الصراع بين الثوار ومؤيدي النظام السابق سيؤدي إلى حرب جماهيرية، وقد تؤدي إلى فتح الطريق أمام بقايا النظام السابق لعملٍ مسلحٍ تكون الخسارة فيه للجانبين». وعما إذا كانت قوى «الحرية والتغيير» جاهزة لتسلّم السلطة من المجلس، في ظلّ خلافات ظهرت بين مكوناتها في الآونة الأخيرة، اعتبر كبلو أن تباين المواقف بينها «مسألة عادية في ممارسة الديموقراطية واختلاف الآراء، وهي لا تُفقرهم لأن ما يجمع بينهم أكبر من أي نقاط خلاف».
ويبدو في ظل التحركات التي يقودها «العسكري»، من سبيل اجتماعه مع القوى السياسية الأخرى اليوم على اعتبار أن «الاختلافات بينها وبين رؤية قوى إعلان الحرية والتغيير قليلة»، كما قال المتحدث باسمه أمس، أن المجلس ماضٍ في «المماطلة والتسويف» في تسليم السلطة كما ترى قوى «الحرية والتغيير»، التي أملت ألا تكون خطوة تسلمه 177 رؤية مكتوبة للفترة الانتقالية «محاولة تلاعب أخرى»، في إشارة إلى المحاولة الأولى المتمثلة في إشراك أحزاب كانت جزءاً من السلطة في عهد الرئيس المعزول عمر البشير في المفاوضات القائمة، في محاولة للتهرب من الاعتراف بتمثيل تحالف «الحرية والتغيير» للحراك الشعبي.
وكما ردّ التحالف المعارض في حينها بالشارع بمليونية سُلّمت على إثرها الوثيقة الدستورية، يبدو أنه يتجه اليوم إلى إعلان العصيان المدني، كما أكد المتحدث باسم «قوى الحرية والتغيير» لـ«الأخبار»، بالقول إن «الثورة لا تزال مستمرة لأنها لم تبلغ أهدافها بعد، واستخدمنا وسائل مختلفة من وسائل الاحتجاجات السلمية، بدءاً من التظاهرات والمواكب الكبيرة، وليس انتهاءً بالاعتصام». و«حتى تبلغ كامل أهدافها، يجب استخدام كافة أشكال الضغط الجماهيري الممكنة، ومنها الإضراب السياسي والعصيان المدني» يقول. أما في شأن التوقيت، فأكد أنهم لن يلجأوا إلى الخطوة «حتى نضمن نجاحها، وقياس ذلك يكون عبر حساب النسبة المئوية للقطاعات التي يحدد فيها الإضراب».